كيف يدفع الذكاء الاصطناعي العالم لبناء آلاف مراكز البيانات ؟

في فبراير 2026، أعلنت Microsoft عن أكبر اتفاقية طاقة نووية في تاريخ الشركات التجارية: عقد بقيمة تمتد حتى عام 2040 لشراء جيغاواتَّي كهرباء من محطة Constellation Energy النووية، حصراً لتشغيل مراكز بيانات. في الشهر ذاته، حصلت Meta على موافقة لإنشاء محطة غاز طبيعي بقدرة 700 ميغاواط في أوهايو تُشغّل مجمع “Hyperion” الذي سيستهلك، حين يعمل بطاقته الكاملة، ما يعادل نصف استهلاك مدينة نيويورك من الكهرباء.

هذه ليست مبالغات تسويقية. هي أرقام من تقارير تنظيمية رُفعت إلى سلطات الطاقة في الولايات المتحدة. وهي تُعبّر عن تحول هيكلي في طبيعة الطلب على الطاقة الكهربائية لم يشهد العالم مثيله منذ موجة التصنيع في القرن العشرين.

الذكاء الاصطناعي لا يطلب خوادم فحسب. هو يطلب كوكباً مُعادَ هندسته من حيث توليع الطاقة ونقلها وتوزيعها.

لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي آلاف مراكز البيانات؟

وكالة الطاقة الدولية تُقدّر أن استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء سيصل إلى 1,100 تيراواط ساعة في 2026، ما يعادل الاستهلاك الكلي لليابان، في مراجعة تصاعدية بنسبة 18% عن تقديرات ديسمبر 2025.

لاستيعاب هذا الرقم: استهلاك مراكز البيانات عالمياً في 2024 بلغ 415 تيراواط ساعة وشكّل 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء. في عام واحد قفز هذا الرقم 17% ليصل إلى 485 تيراواط ساعة، وتضاعف استهلاك مراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بنسبة 50% في 2025 وحده. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات بحلول 2030، فيما يتضاعف ثلاث مرات في مراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

وراء هذه الأرقام قرارات استثمارية غير مسبوقة. شركات Google وMeta وAmazon أنفقت في 2025 مجتمعةً ما يُقدَّر بـ 364 مليار دولار على إنشاء مراكز البيانات وحدها. رصيد استثمار أمازون في مراكز البيانات في 2025 تجاوز إجمالي القيمة السوقية للقطاع الطاقوي الأمريكي المُدرج في البورصة بالكامل.

هذه ليست موجة تقنية عادية. هي إعادة هيكلة لمعادلة الطاقة الكهربائية العالمية.

من يملك البنية التحتية يحكم السباق

المشهد الذي يُغفله كثير من التحليلات هو أن سباق الذكاء الاصطناعي لا يُحسَم في المختبرات فحسب. يُحسَم أيضاً في مفاوضات شراء الأراضي، وعقود الطاقة طويلة الأمد، وصفقات الرقائق مع TSMC وNvidia، وبروتوكولات الربط بالشبكة الكهربائية.

الولايات المتحدة تمتلك 4,011 مركز بيانات حتى مارس 2026، وهو الأعلى عالمياً بفارق كبير. المملكة المتحدة تأتي ثانيةً بـ 511 مركزاً، تليها ألمانيا بـ 507، والصين بـ 368، وفرنسا بـ 344.

هذا التفاوت ليس مصادفة. هو انعكاس لمنظومة قوى متشابكة يتقاطع فيها النفوذ التقني مع السياسة الطاقوية مع التشريعات الوطنية. أوروبا تمتلك البنية التشريعية الأكثر تطوراً في تنظيم الذكاء الاصطناعي لكنها تفتقر إلى الطاقة الاستيعابية والحوافز الضريبية التي توفّرها الولايات المتحدة. الصين تبني بقدرات ضخمة لكن تحت عيون قيود التصدير الأمريكية على الرقائق. الجنوب العالمي يجد نفسه مُستضيفاً محتملاً لمراكز بيانات كبرى لكن دون أن يمتلك الرافعة التفاوضية لاشتراط نقل المعرفة أو تقاسم المنفعة.

الكهرباء كورقة ضغط جيوسياسية

الحكومات تُدرك ببطء أن من يُقرّر أين تُبنى مراكز البيانات يمتلك في الواقع ورقة ضغط على شركات التقنية الكبرى، وأن هذه الورقة قابلة للتحويل إلى سياسة.

عدة ولايات أمريكية تتنافس على استقطاب الاستثمار بحوافز ضريبية وتسريع التصاريح. ولاية تكساس قدّمت أكثر من مليار دولار إعانات لمراكز البيانات في 2025، بينما قدّمت فيرجينيا 732 مليون دولار في 2024.

لكن هذا السباق لاستقطاب الاستثمار يصطدم بمقاومة متصاعدة. مراكز البيانات باتت نقطة احتقان اجتماعية، إذ يربط معظم الأسر الأمريكية التي جرى استطلاعها بين توسع هذه المراكز وارتفاع فواتير الكهرباء. وفي منطقة PJM الأمريكية التي تمتد من إلينوي إلى كارولاينا الشمالية، أضافت مراكز البيانات ما يُقدَّر بـ 9.3 مليار دولار لتكاليف سوق الطاقة خلال 2025-2026، ما ترجم في بعض المقاطعات إلى ارتفاع 18 دولاراً شهرياً في فاتورة الكهرباء للأسرة الواحدة.

هذا هو التناقض الذي لم تحلّه شركات التقنية بعد: هي تستثمر في الطاقة النظيفة وتوقّع عقوداً للطاقة المتجددة وتُعلن التزامات مناخية، لكن سرعة توسعها تفوق ما تستطيع شبكات الكهرباء استيعابه، فتلجأ في لحظات الذروة إلى مولدات الديزل والغاز الطبيعي.

أيرلندا والخوف من الاحتكار الرقمي

المثال الأوضح على كيف تُصبح مراكز البيانات قضية سيادية لا تجارية يأتي من أيرلندا. استهلكت مراكز البيانات 21% من الكهرباء الأيرلندية في 2022، وتشير التوقعات إلى وصول هذه النسبة إلى 32% بحلول 2026، مما يُنشئ ضغطاً هائلاً على شبكة النقل ويُجبر المشغّلين والسلطات المحلية على التحذير من إمكانية حدوث أعطال دون استثمار في البنية التحتية.

أيرلندا استضافت مراكز بيانات Google وMeta وMicrosoft وAmazon لعقود بسبب تحفيزاتها الضريبية الجذابة. المفارقة أن هذا الاستقطاب الناجح يهدد اليوم استقرار شبكة الكهرباء الوطنية. دولة صغيرة تجد أن جزءاً متناميًا من طاقتها الكهربائية يُستهلك لخدمة بنية تحتية رقمية تخدم بالدرجة الأولى أسواقاً في أمريكا الشمالية وآسيا.

هذه المعادلة ليست حكراً على أيرلندا. كل دولة تستضيف مركز بيانات كبيراً تواجه نسخة منها: تحصيل جزء من القيمة والوظائف والضرائب، مقابل تحمّل تبعات استهلاك الطاقة وضغط البنية التحتية والمخاوف البيئية.

المنطقة العربية: بين الفرصة والتبعية

المنطقة العربية تدخل هذا المشهد من موقع تحتاج فيه إلى حسابات دقيقة تتجاوز الإعلان عن أرقام الاستثمار.

دول الخليج تمتلك مزايا تنافسية حقيقية: شبكات كهرباء حديثة، أراضٍ شاسعة، طاقة شمسية وفيرة، واستقرار سياسي نسبي. قرار واشنطن في مايو 2025 برفع قيود الرقائق عن السعودية والإمارات فتح الباب أمام استثمارات حقيقية في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. استثمار Microsoft بأكثر من 3 مليارات دولار في مركز بيانات بمساحة 315 فداناً، وتوسعات AWS في المنطقة، تُشير إلى جدية هذا التوجه.

لكن الفرق بين “استضافة مراكز البيانات” و”امتلاك القدرة التقنية” فرق جوهري يغيب عن كثير من التصريحات الرسمية. الدولة التي تستضيف خوادم Google تُدير بنية تحتية رقمية. الدولة التي تُطوّر نماذجها اللغوية ومعماريات رقائقها تبني سيادة رقمية. المسافة بين الموقفين طويلة، والفجوة تتسع مع كل إصدار تقني جديد. التنافس الأمريكي الصيني في الذكاء الاصطناعي الصناعي يترك دول الجنوب العالمي أمام خيار تمويل البنية التحتية لأحد القطبين دون ضمانات نقل معرفة فعلية.

أزمة الشبكة: حين يسبق الطلب الاستثمار

مشغّلو الشبكة في فيرجينيا، التي تُعدّ أكبر سوق لمراكز البيانات في العالم، أصدروا تحذيرات رسمية من نقص في الطاقة حتى عام 2028، وأوقفت شمال فيرجينيا فعلياً إصدار تصاريح جديدة لمراكز البيانات. وتحليل مُقدَّم لمحافظي اتحاد PJM يُحذّر من عجز في توليد الكهرباء بنحو 49 جيغاواط بحلول 2028، ما يعادل 49 محطة غاز طبيعي ضخمة.

هذا الوضع لا يمثّل فشلاً في التخطيط فحسب، بل يُشير إلى تناقض هيكلي عميق: شركات التقنية تستطيع توقيع شيكات بمئات المليارات في أسابيع، لكن بناء محطة طاقة أو مدّ خط نقل كهربائي يستغرق سنوات بسبب الترخيص والتخطيط والبناء. الرأس المال يتحرك بسرعة الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية تتحرك بسرعة الصلب والخرسانة.

مراكز البيانات قادت ما يزيد على ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في التسعة أشهر الأولى من 2025، بعد عقدين من الركود شبه الكامل في الطلب على الكهرباء. وهذا يعني أن الشبكات الكهربائية الأمريكية كانت مُعدَّة لعالم مختلف، وأن إعادة تأهيلها لاستيعاب هذا الطلب المتسارع يستلزم استثمارات في البنية التحتية تُقدّرها التقارير بـ 720 مليار دولار حتى 2030.

الطاقة النظيفة ومعادلة لم تنجح بعد

الشركات الكبرى تُقدّم نفسها كمحرّك للطاقة المتجددة. شركات Google وMeta وAmazon مجتمعةً هي أكبر مشترين مؤسسيين للطاقة المتجددة في العالم، وفي 2024 وحده اشترت كبرى شركات التقنية 43% من جميع عقود شراء الطاقة النظيفة الموقّعة عالمياً. أسعار هذه العقود ارتفعت 35% في المتوسط عام 2024 بسبب الضغط الهائل على الطلب من شركات الذكاء الاصطناعي.

لكن هذه الأرقام تُخفي تناقضاً أساسياً: الطاقة المتجددة متقطعة في طبيعتها (الشمس لا تُشرق ليلاً والريح لا تهب دائماً)، بينما مراكز البيانات تحتاج كهرباء مستمرة ومتوفرة على مدار الساعة. في غياب التخزين الكافي للطاقة، تعود هذه المراكز إلى الوقود الأحفوري عند الطلب الذروي. مشروع Stargate بين OpenAI وSoftBank وOracle لم يُحسم بعد مصدر طاقته الدائم رغم الإعلانات الكبرى عن استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار.

من يربح ومن يخسر في هذا السباق

الإجابة ليست ثنائية. الرابحون والخاسرون يتوزعون على طبقات متداخلة.

تربح شركات البناء والمقاولات الكبرى والمهندسون المتخصصون في البنية التحتية الرقمية. تربح دول وولايات تستقطب الاستثمار وتُوفّر وظائف وتحصّل ضرائب. تربح شركات الطاقة المتجددة التي تجد طلباً غير مسبوق على منتجاتها.

يخسر مستهلكو الكهرباء في المناطق التي تتركّز فيها مراكز البيانات. يخسر منتجو المحتوى الذين لم يتقاضوا شيئاً مقابل تدريب النماذج على أعمالهم. تخسر الدول التي تستضيف البنية التحتية دون أن تمتلك التقنية ذاتها. وتخسر المجتمعات المحلية القريبة من هذه المراكز التي تُثقل شبكات الكهرباء وتُرفع معها الفواتير.

الموقف الذي أتبنّاه صراحةً هو أن هذا السباق في بنائه الحالي يُنتج نموذجاً يُركّز المنفعة في يد القلة ويُوزّع التكاليف على الجميع. بناء آلاف مراكز البيانات مسألة ليست محايدة تقنياً، بل اختيار اقتصادي وسياسي يحمل توزيعاً للثروة والقوة لا يُقال بوضوح في خطابات الاستثمار والإعلانات التكنولوجية.

السؤال الذي يطرحه 2026 ولم يُجب عنه بعد ليس عن حجم مراكز البيانات بل عن هيكل ملكيتها وعلاقتها بالمجتمعات التي تستضيفها: هل يكفي أن تدفع هذه المراكز ضرائبها وتوظّف مهندسين وتشتري طاقة متجددة؟ أم أن الاستضافة دون حصة في القرار التقني لا تختلف في جوهرها عن امتلاك أرض يُقيم عليها الآخرون ما يريدون؟

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 103