مسارات التكيف مع الذكاء الاصطناعي: كوريا الجنوبية والإمارات والمغرب — من يبني المستقبل ومن يشتريه؟

في فبراير 2024، وقّعت الإمارات وشركة مايكروسوفت اتفاقية بقيمة 1.5 مليار دولار تمنح بموجبها مايكروسوفت حصة في شركة G42 الإماراتية، مقابل نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى أبوظبي. لم تكن الصفقة تجارية بحتة؛ سبقها ضغط أمريكي مباشر على الإمارات لقطع علاقاتها التقنية مع الصين، وتحديداً مع شركة هواوي التي كانت G42 شريكاً معتمداً لها. اختارت أبوظبي واشنطن. هذا القرار، بكل ما يحمله من حسابات جيوسياسية، يكشف أن مسارات التكيف مع الذكاء الاصطناعي ليست خيارات تقنية محايدة، بل هي رهانات على المستقبل تحمل تكاليف سيادية فورية.

السؤال ليس من يملك أكبر حاسوب. السؤال هو: من يملك القدرة على قول “لا”؟

كوريا الجنوبية : حين تصبح الرقاقة هوية وطنية

كوريا الجنوبية لم تصل إلى سامسونج وSK Hynix بالصدفة. فالمسار يمتد إلى قرارات حكومية في سبعينيات القرن الماضي حين رفض بارك تشونغ هي الاكتفاء بتجميع الإلكترونيات الأجنبية، وأمر بتطوير صناعة وطنية حتى لو كانت الخسائر الأولية مؤلمة. اليوم، تنتج كوريا الجنوبية نحو 60% من رقائق الذاكرة العالمية (DRAM وNAND Flash)، وهي العصب الحيوي لأي بنية تحتية للذكاء الاصطناعي.

ما يجعل النموذج الكوري مثيراً للتأمل ليس الحجم، بل الهشاشة المقصودة التي تحوّلت إلى قوة. كوريا تعرف أن اعتمادها على التصدير يجعلها عرضة للضغوط، لكنها تعرف أيضاً أن العالم لا يستطيع تجاهلها. حين فرضت اليابان عام 2019 قيوداً على تصدير مواد كيميائية حيوية لصناعة الرقائق الكورية، استثمرت سيول بسرعة في البدائل المحلية وخففت الاعتماد على طوكيو في غضون سنتين. هذا ليس مجرد صمود؛ هذا نظام مناعي تقنية بُني بوعي.

في مارس 2024، أعلنت كوريا الجنوبية عن خطة استثمار بقيمة 19 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والرقائق بحلول 2027، متضمنةً دعم نماذج لغوية كورية خاصة. الرهان الكوري يقول: لا سيادة بلا قدرة إنتاج في القاع، أي في الرقائق والبحث الأساسي، لأن من يملك القاع يملك القدرة على التفاوض في كل ما فوقه.

لكن هذا المسار له ثمن. يتطلب عقوداً من الاستثمار، ونظاماً تعليمياً متخصصاً، وتحمّل خسائر مبكرة. وهو مسار لا تستطيع معظم الدول النامية تكراره ببساطة، لأن شروطه الأولية لم تعد متاحة بالطريقة ذاتها.

الامارات : الثروة السيادية كبديل عن القدرة التقنية

النموذج الإماراتي يطرح منطقاً مختلفاً تماماً: لماذا تبني ما يمكنك شراؤه؟ لكن ما تشتريه الإمارات ليس مجرد برمجيات، بل تموضع في مراكز القرار الرقمي العالمي.

الإمارات تحتضن اليوم واحدة من أكبر بنى تحتية للذكاء الاصطناعي خارج أمريكا والصين. استقطبت رقائق Nvidia المتقدمة حين كانت دول أخرى تنتظر في طابور التصدير، وأسست مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي الذي يضم كفاءات أكاديمية دولية. ونموذج Falcon اللغوي الذي طورته مؤسسة TII الإماراتية تصدّر في وقت من الأوقات قوائم الأداء العالمية على منصة Hugging Face، قبل أن تتجاوزه النماذج الأحدث.

لكن هنا تكمن المعضلة. فمن يملك البنية التحتية للإنترنت يملك العالم وهذه المعادلة تنطبق مباشرة على الحالة الإماراتية. مراكز البيانات الإماراتية تعمل على رقائق أمريكية، وأنظمة تشغيل أمريكية، وبروتوكولات أمريكية. حين طلبت واشنطن من أبوظبي الاختيار بين هواوي ومايكروسوفت، لم تكن الإمارات في موقع المساومة الكاملة. اختارت واشنطن لأن البنية التحتية ذاتها كانت مرتبطة بالغرب.

المعياركوريا الجنوبيةالإماراتالمغرب
نموذج التكيفبناء ذاتيشراء استراتيجيوساطة جغرافية
نقطة القوةالرقائق والبحث الأساسيالثروة والموقع الجيوسياسيالموقع والكابلات البحرية
نقطة الهشاشةالاعتماد على التصديرغياب قاعدة تقنية ذاتيةمحدودية القدرة التقنية
مستوى السيادةمرتفع في القاع، متوسط في القمةمتوسط، مشروط بالتحالفاتمنخفض-متوسط، في طور التشكل
الأفق الزمنيبُني على 5 عقوديتسارع منذ 2017رهانات 2025-2035

الشراء الإماراتي الاستراتيجي يمنح نفوذاً حقيقياً، لكنه نفوذ قابل للسحب. حين تتغير الأولويات الأمريكية أو تتبدل معادلات القوة الدولية، ستجد الإمارات نفسها أمام خيارات صعبة من جديد. هذا لا يلغي ذكاء النموذج؛ لكنه يحدد سقفه.

المغرب : الوساطة الجيورقمية: رهان لم تُحسم نتائجه بعد

المغرب يلعب ورقة مختلفة. لا يملك رقائق كورية، ولا ثروة سيادية إماراتية. يملك موقعاً.

المملكة المغربية تقع عند تقاطع ثلاثة عوالم: أوروبا في الشمال، وأفريقيا جنوباً، والمحيط الأطلسي غرباً حيث تمر كابلات بيانات بحرية استراتيجية. كابل “2Africa” الذي تدعمه ميتا ويمر قبالة السواحل المغربية، وكابل “Medusa” الذي يربط جنوب أوروبا بشمال أفريقيا بدأ تشغيله عام 2024، يجعلان المغرب نقطة عبور لا يمكن تجاوزها بسهولة في بنية الإنترنت الإقليمية.

الرهان المغربي يقول: لا حاجة لبناء كل شيء إذا كنت تتحكم في الممرات. لكن هذا المنطق يحمل مخاطرة كبرى: الممرات لا تتحول تلقائياً إلى قدرة. التحكم في كابل بحري لا يعني امتلاك القدرة على معالجة البيانات التي تعبر منه، ولا على بناء الخدمات التي تستفيد من هذا العبور.

ما يحاول المغرب بناؤه فعلياً هو بيئة تنظيمية جاذبة لمراكز البيانات الإقليمية، مع تطوير قدرات تدريب وتأهيل في الذكاء الاصطناعي تستهدف تحويل البلد إلى مورد كفاءات للسوق الأوروبية والأفريقية معاً. شراكة مايكروسوفت التي أُعلن عنها عام 2024 لبناء أول مركز بيانات كبير في المغرب تتجه في هذا الاتجاه.

لكن هذا وحده يكفي لأن نتساءل: هل الوساطة استراتيجية أم هي الاسم الجميل للتهميش المدار؟

لماذا لا يوجد سؤال ثالث؟

النقاش المعتاد يقدم خيارَين: إما تبني قدرة ذاتية كاملة، وإما الوقوع في التبعية. لكن هذا وحده يكفي لاعتبار هذا الإطار مضللاً.

السيادة الرقمية ليست ثنائية. هي طيف يمتد من القدرة الكاملة على إنتاج الرقائق والنماذج، إلى المشاركة المدروسة في سلاسل القيمة، إلى الهامشية التامة. الدول الثلاث التي ندرسها تتموضع في نقاط مختلفة على هذا الطيف، وكل منها يمثل رهاناً واعياً أو شبه واعٍ على مكانه فيه.

لماذا لا تُنتج المنطقة العربية شركات تقنية عملاقة؟ هذا سؤال ليس تقنياً بالأساس. فالجواب يكمن في غياب بيئة التراكم: تراكم المعرفة، وتراكم المخاطرة، وتراكم الفشل المقبول اجتماعياً. كوريا بنت شركاتها الكبرى على أنقاض فشل مبكر أُعيد تمويله بقرار سياسي. الإمارات تحاول اختصار هذا المسار بالثروة. والمغرب يراهن على أن الجغرافيا ستعوض عن الزمن الضائع.

المشكلة لا تبدأ هنا. تبدأ في اللحظة التي تعتقد فيها دولة ما أن شراء حق الوصول إلى تقنية يعني امتلاك القدرة على توجيهها.

الصراع الدولي: ليس مجرد واشنطن وبكين

ثمة خطأ شائع في قراءة هذا المشهد: وهو اختزاله في ثنائية أمريكية-صينية. فالواقع أكثر تعقيداً.

الاتحاد الأوروبي يطور تشريعات الذكاء الاصطناعي (AI Act) التي ستُحدد معايير الأسواق العالمية بصورة تُجبر كل طرف خارجي يريد الوصول إلى السوق الأوروبية على الامتثال لها. المغرب، بعلاقاته التجارية مع أوروبا، لن يتمكن من تجاهل هذه المعايير حتى لو أراد. أما الإمارات، فهي تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كسوق موازٍ لا يُستهان به.

الهند تبني نماذجها اللغوية الخاصة بشكل متسارع. اليابان ودول أخرى تصيغ تحالفات تقنية تتجاوز المعسكرين الكبيرين. استراتيجيات الذكاء الاصطناعي الوطنية تتكاثر بوتيرة تجعل كل تحليل ثنائي قاصراً.

في هذا السياق متعدد الأقطاب، تجد الدول الثلاث نفسها أمام خيارات أكثر مما يبدو. كوريا تتدبر علاقاتها مع واشنطن وبكين بمرونة حذرة، لأن صادراتها التقنية تذهب للطرفين. الإمارات تتحدث مع الجميع لكنها اختارت موقعاً واضحاً بعد صفقة 2024. والمغرب يترك أبوابه مفتوحة عمداً، وهو رهان له منطقه في عالم متحول.

أيهما يصنع سيادة حقيقية؟

رأيي واضح: لا يوجد مسار واحد للسيادة الرقمية، لكن هناك شرطاً واحداً مشتركاً لكل المسارات الناجحة: وجود قدرة ذاتية في مستوى واحد على الأقل من سلسلة القيمة.

كوريا تملك هذا الشرط في مستوى الرقائق. الإمارات تبني شيئاً فعلياً في مستوى النماذج والكفاءات البشرية، وإن كان يحتاج إلى وقت لإثبات عمقه. المغرب لم يحقق هذا الشرط بعد بصورة واضحة.

التقرير السنوي لمعهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2024 يُشير إلى أن الفجوة بين الدول القادرة على إنتاج نماذج مؤثرة وتلك التي تستهلكها فقط تتسع بوتيرة متصاعدة. هذا لا يعني أن كل دولة يجب أن تبني GPT خاصاً بها؛ لكنه يعني أن القدرة على فهم ما تستورده وتكييفه وتدقيقه والتحقق منه هي الحد الأدنى من السيادة.

السياسة الصناعية الكورية في مجال أشباه الموصلات تُقدم درساً لا يتعلق بالأرقام، بل بالصبر الاستراتيجي: القدرة التقنية لا تُبنى في دورة انتخابية، وهي تتطلب إرادة سياسية قادرة على تحمّل التكلفة المبكرة دون رؤية عوائد فورية.

الإمارات قد تُحقق ما أسميه “السيادة الوظيفية”: القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات استراتيجية باستقلالية نسبية، دون الحاجة إلى بناء الطبقة الأساسية. لكن هذه السيادة ستظل مشروطة ومعرضة للمراجعة كلما تغيرت معادلات القوة.

والمغرب يملك فرصة، لكنها مشروطة بقرارات ستتخذها في السنوات الخمس القادمة: هل يستثمر في تعليم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع؟ هل يبني قدرة تنظيمية محلية؟ هل يستخدم موقعه الجغرافي ورقةً للتفاوض على نقل تقنية حقيقي، لا مجرد تحويل استهلاك؟

السؤال المطرح

السؤال الذي يبقى بلا إجابة واضحة: في العقد القادم، حين تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي مدمجة في البنية التحتية للحوكمة والصحة والتعليم والأمن، هل ستملك هذه الدول القدرة على التدقيق فيما تستخدمه، أم ستكون مجرد واجهة بشرية لقرارات تتخذها خوارزميات لا تعرف أصحابها؟

الجواب لن يحدده حجم الصفقة التالية. سيحدده ما يُبنى الآن في الفصول الدراسية ومراكز البحث وقرارات التمويل الحكومي البعيدة عن الأضواء.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 103