القاسم الانتخابي في انتخابات 23 شتنبر: الجدل القانوني الذي يرسم ملامح البرلمان المقبل

في الأول من دجنبر 2025، وبعد جلسة تشريعية امتدت قرابة ثلاث ساعات، صادق مجلس النواب المغربي بأغلبية 164 صوتاً مقابل 9 أصوات معارضة و41 ممتنعاً على القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب. صادق عليه مجلس المستشارين لاحقاً في التاسع من الشهر نفسه، وأحيل بعدها على المحكمة الدستورية التي راجعته مادة مادة قبل نشره الجريدة الرسمية . هذا النص، الذي مرّ في أقل من ثلاثة أشهر من إيداعه إلى إقراره النهائي، هو الإطار القانوني الذي يحكم فعلياً انتخابات مجلس النواب المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، والتي تجري حملتها الانتخابية حالياً منذ العاشر من الشهر الجاري وحتى منتصف ليل الثاني والعشرين منه.

بين مقتضيات كثيرة حملها هذا القانون، ظل مقتضى واحد يتصدر النقاش القانوني والسياسي منذ 2021 ولم يخفت حتى مع اقتراب موعد الاقتراع الحالي: طريقة احتساب القاسم الانتخابي، أي المعيار الرياضي الذي يحدد عدد الأصوات اللازمة للفوز بمقعد واحد داخل كل دائرة انتخابية.

ما الذي يعنيه احتساب القاسم على أساس المسجلين لا المصوتين

القاسم الانتخابي، في نظام التمثيل النسبي المعتمد بالمغرب لانتخاب أعضاء مجلس النواب، هو حاصل قسمة عدد الأصوات المعبر عنها في الدائرة على عدد المقاعد المخصصة لها. كلما ارتفع هذا القاسم، ارتفع عدد الأصوات اللازمة لانتزاع مقعد إضافي، وهو ما يميل إحصائياً لصالح الأحزاب الكبرى القادرة على تجميع كتلة تصويتية واسعة، بينما ينخفض حظ الأحزاب المتوسطة والصغرى في تحويل نسبتها من الأصوات إلى مقاعد فعلية.

الإصلاح الذي أقرّه القانون التنظيمي المعدل لعام 2021، واستمر معمولاً به في القانون رقم 53.25 المنظم للاستحقاقات الحالية، غيّر أساس احتساب هذا القاسم من عدد المصوتين الفعليين إلى عدد الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة. الفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً حسابياً بسيطاً. فعدد المسجلين يشمل كل من له الحق في التصويت سواء مارسه أو لم يمارسه، بينما عدد المصوتين يقتصر على من حضر فعلياً إلى صناديق الاقتراع. وبما أن نسبة المشاركة في الانتخابات المغربية لم تتجاوز تاريخياً حاجز الخمسين بالمئة في أغلب الاستحقاقات التشريعية، فإن احتساب القاسم على أساس المسجلين يرفعه بشكل كبير مقارنة باحتسابه على أساس المصوتين فقط، لأن المقام في المعادلة (عدد الناخبين المعتمد) يصبح أكبر بكثير من عدد الأصوات الفعلية المعبر عنها.

النتيجة القانونية المباشرة أن عدداً أكبر من الأصوات يصبح مطلوباً للفوز بالمقعد الواحد، وهو ما يرفع عملياً عتبة الدخول الفعلية إلى البرلمان دون أن يُطلق عليها رسمياً اسم “عتبة انتخابية”، خاصة أن القانون المغربي ألغى صراحة نظام العتبة الصريحة التي كانت محددة سابقاً بنسبة 6% للقوائم المحلية.

الطعن الدستوري الذي أعاد فتح الملف

عبد الله بووانو، عن الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، وصف هذا المقتضى خلال مناقشات القانون 53.25 بأنه “مولود غير شرعي وغير ديمقراطي”، مستنداً إلى كونه يُبنى على احتساب المسجلين لا المصوتين. هذا الموقف ليس جديداً، بل امتداد لمعركة قانونية بدأها الحزب نفسه منذ 2021، حين تقدّم في 23 مارس من ذلك العام بطعن رسمي أمام المحكمة الدستورية ضد المادة 84 من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، معتبراً أنها تتضمن مقتضيات غير دستورية، وأتبعها بمذكرة طعن إضافية في اليوم التالي. المحكمة الدستورية أقرّت حينها دستورية التعديل، وهو القرار الذي أسس السابقة القانونية التي بُني عليها احتساب القاسم في كل الاستحقاقات اللاحقة، بما فيها انتخابات 23 شتنبر 2026 الحالية.

حين أعيد طرح المسألة نفسها خلال مناقشة القانون 53.25 نهاية 2025، رفض وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الخوض مجدداً في الجدل حول دستورية هذا المقتضى، مكتفياً بموقفه السابق الرافض للتشكيك فيه. هذا الرفض الوزاري لفتح النقاش من جديد لا يعني إغلاق الملف قانونياً، بل يعكس واقعاً سياسياً بحتاً: القرار الدستوري الصادر عن المحكمة الدستورية سابقاً يحوز حجية اتصال بالأمر المقضي به، بمعنى أنه لا يمكن الطعن في المادة نفسها مجدداً أمام الجهة القضائية نفسها بالأسانيد القانونية ذاتها التي سبق الفصل فيها، ما لم تتغير صياغة المقتضى بشكل جوهري يستدعي مراجعة دستورية مستقلة.

هنا يكمن التوتر القانوني الحقيقي. حين راجعت المحكمة الدستورية القانون التنظيمي رقم 53.25 قبل نشره، استندت في فحصها إلى الفقرة الثانية من الفصل 62 من الدستور، التي تسند إلى القانون التنظيمي مهمة تحديد عدد أعضاء مجلس النواب، ونظام انتخابهم، ومبادئ التقسيم الانتخابي، وشروط القابلية للانتخاب، وحالات التنافي، وقواعد الحد من الجمع بين الانتدابات، ونظام المنازعات الانتخابية. المحكمة فحصت مواد القانون مادة بمادة، لكنها لم تُعِد النظر جوهرياً في مبدأ احتساب القاسم على أساس المسجلين، باعتباره استمراراً لمقتضى سبق إقرار دستوريته في السابقة القضائية لعام 2021.

كيف يُحتسب القاسم الانتخابي بالمغرب؟

الفارق بين احتسابه على المسجلين واحتسابه على المصوتين

القاعدة القانونية المعتمدة حالياً
القاسم = عدد الأصوات المعبر عنها ÷ عدد المقاعد
محسوبة من إجمالي المسجلين في اللوائح، لا المصوتين فقط
عدد المسجلين
الأكبر
عدد المصوتين الفعلي
الأصغر
الأثر المباشر
قاسم أعلى يعني أصواتاً أكثر مطلوبة للمقعد الواحد، وحظاً أقل للأحزاب المتوسطة والصغرى
السند القانوني
القانون التنظيمي 53.25، بعد إقرار المحكمة الدستورية لدستوريته منذ الطعن الأول سنة 2021

المسار التشريعي الكامل الذي أفضى إلى النص الحالي

يكشف تتبع مسار القانون 53.25 آلية اشتغال القوانين التنظيمية الانتخابية في المغرب بدقة. تداول المجلس الوزاري في مشروعه بتاريخ 19 أكتوبر 2025 طبقاً لأحكام الفصل 49 من الدستور الذي يوجب عرض مشاريع القوانين التنظيمية على هذا المجلس قبل إحالتها على البرلمان. أودعه رئيس الحكومة بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 24 أكتوبر 2025، وامتنع المجلس عن الشروع في مناقشته إلا بعد مرور عشرة أيام كاملة على إيداعه، احتراماً للأجل الدستوري الذي يمنح النواب مهلة كافية للاطلاع على النص قبل مناقشته. صادق عليه مجلس النواب في فاتح دجنبر بأغلبية موصوفة، ثم مجلس المستشارين في التاسع من الشهر نفسه، وفقاً لمسطرة الفصلين 84 و85 من الدستور المنظمين لتوزيع الاختصاص التشريعي بين الغرفتين.

بالتوازي مع هذا القانون، ناقش البرلمان مشروع القانون رقم 55.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية. هذا النص الثاني هو الذي يؤطر اليوم، عملياً، الجانب الإعلامي من الحملة الانتخابية الجارية، إلى جانب قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 26-50 الذي يحدد قواعد التغطية الإعلامية للأحزاب المتنافسة على أنتينات القنوات العمومية والخاصة خلال هذه الفترة بالذات.

التمثيل النسائي كمقتضى قانوني صريح لا اختياري

من بين المقتضيات التي حسمها الإطار القانوني الحالي دون جدل يُذكر، خلافاً لمسألة القاسم الانتخابي، توزيع المقاعد التسعين المخصصة للدوائر الجهوية من أصل 395 مقعداً إجمالياً في مجلس النواب. هذه المقاعد التسعون موزعة على 12 دائرة انتخابية جهوية تتراوح مقاعد كل واحدة منها بين 3 و12 مقعداً، ويُلزم القانون التنظيمي بأن تشغل النساء ثلث هذه المقاعد كحد أدنى، مع اشتراط إضافي يوجب وضع مرشحات في المركزين الأول والثاني من كل لائحة مقدمة لهذه الدوائر. أما المقاعد الـ305 المتبقية، فتُنتخب من 92 دائرة انتخابية محلية متعددة الأعضاء، تتراوح مقاعد كل واحدة منها بين مقعدين وستة مقاعد، دون اشتراط كوتا نسائية مماثلة على مستواها.

هذا الفارق التقني بين نظامين انتخابيين متداخلين داخل استحقاق واحد، نظام محلي بلا كوتا صريحة على مستوى المقعد الواحد، ونظام جهوي بكوتا نسائية إلزامية، يمنح القانون الانتخابي المغربي طابعاً هجيناً يستحق أن يفهمه كل ناخب قبل التوجه إلى صندوق الاقتراع في 23 شتنبر، لأن الصوت الذي يمنحه لكل لائحة يخضع لمنطق حسابي مختلف بحسب طبيعة الدائرة التي يصوت فيها.

ماذا يعني هذا فعلياً للناخب المغربي في هذا الاستحقاق

الأثر العملي لكل هذا الإطار القانوني المتشابك يتلخص في معادلة واحدة يواجهها كل حزب مشارك في انتخابات 23 شتنبر: كلما انخفضت نسبة المشاركة الفعلية في الاقتراع مقارنة بعدد المسجلين في اللوائح، ارتفع القاسم الانتخابي الفعلي، وارتفعت معه صعوبة تحويل الأصوات المكتسبة إلى مقاعد برلمانية، بغض النظر عن حجم القاعدة الانتخابية الحقيقية للحزب. هذا يعني أن معركة تعبئة الناخبين للتصويت فعلياً، لا مجرد التسجيل في اللوائح، أصبحت بموجب هذا الإطار القانوني معركة حسابية مباشرة تحدد عدد المقاعد قبل أن تحددها نتيجة صناديق الاقتراع نفسها.

السؤال القانوني الذي يبقى معلقاً بعد هذا الاستحقاق، بصرف النظر عن نتائجه، هو ما إذا كانت التجربة العملية لانتخابات 2026 ستوفر حجة سياسية جديدة تدفع نحو مراجعة تشريعية لاحقة لطريقة احتساب القاسم، كما حدث مع القانون 53.25 الذي عدّل نصوصاً سبق إقرارها في 2021 دون أن يمس جوهر المقتضى الخلافي الأصلي. فالتاريخ التشريعي لهذا المقتضى تحديداً يظهر نمطاً متكرراً: نص يُقر، يُطعن فيه، تُقر المحكمة الدستورية دستوريته، ثم يُعاد فتح النقاش السياسي حوله عند كل استحقاق تالٍ دون أن يتغير جوهره القانون

الأسئلة الشائعة

ما هو القاسم الانتخابي؟

هو حاصل قسمة عدد الأصوات المعبر عنها في الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة لها. هذا الرقم يحدد عدد الأصوات اللازمة لكل مقعد داخل الدائرة، وكلما ارتفع، احتاجت القائمة إلى أصوات أكثر للفوز بمقعد إضافي.

لماذا يُحتسب القاسم على أساس عدد المسجلين لا عدد المصوتين؟

هذا هو المقتضى الذي أقرّه الإصلاح التشريعي لعام 2021 واستمر معمولاً به في القانون التنظيمي رقم 53.25. المحكمة الدستورية أقرّت دستوريته بعد طعن رسمي تقدّم به حزب العدالة والتنمية سنة 2021 ضد المادة 84 من القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب.

هل يمكن الطعن مجدداً في هذا المقتضى؟

من الناحية القانونية، القرار الدستوري الصادر سابقاً يحوز حجية اتصاله بالأمر المقضي به، ولا يمكن الطعن في المادة نفسها بالأسانيد ذاتها أمام الجهة القضائية نفسها، ما لم تتغير صياغتها جوهرياً. لذلك لم تُعِد المحكمة الدستورية النظر في المبدأ عند مراجعتها للقانون 53.25 قبل نشره.

كم عدد مقاعد مجلس النواب في انتخابات 23 شتنبر 2026؟

395 مقعداً إجمالاً، موزعة بين 305 مقاعد محلية من 92 دائرة انتخابية (مقعدان إلى ستة مقاعد لكل دائرة)، و90 مقعداً جهوياً من 12 دائرة (ثلاثة إلى 12 مقعداً لكل دائرة).

هل هناك عتبة انتخابية رسمية في القانون المغربي الحالي؟

لا. ألغى القانون نظام العتبة الصريحة التي كانت محددة سابقاً بنسبة 6% للقوائم المحلية. لكن احتساب القاسم على أساس المسجلين يرفع عملياً عتبة الدخول الفعلية إلى البرلمان دون أن يحمل هذا الاسم رسمياً.

كيف تؤثر نسبة المشاركة في الاقتراع على القاسم الانتخابي؟

كلما انخفضت نسبة المشاركة الفعلية مقارنة بعدد المسجلين، ارتفع القاسم الانتخابي الفعلي، لأن مقام المعادلة (عدد الناخبين المعتمد) يبقى ثابتاً بينما ينخفض عدد الأصوات الفعلية المعبر عنها، ما يصعّب على الأحزاب تحويل نسبتها من الأصوات إلى مقاعد.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 136