في الساعة الأولى من صباح الخميس 10 شتنبر 2026، انطلقت رسمياً الحملة الانتخابية بالمغرب للاستحقاقات التشريعية ، لتستمر حتى منتصف ليل الثلاثاء 22 شتنبر، قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها صباح الأربعاء 23 شتنبر لانتخاب أعضاء مجلس النواب. هذه المدة الزمنية، اثنا عشر يوماً بالتمام، ليست تقليداً سياسياً متعارفاً عليه، بل أجلاً محدداً بنص قانوني صريح يرسم بدقة نقطة البداية ونقطة النهاية، وما بينهما من ضوابط وممنوعات وعقوبات يتعين على كل مترشح وحزب وناخب معرفتها قبل الدخول في غمار هذا الاستحقاق.
الإطار القانوني الذي يحكم هذه الحملة ليس نصاً واحداً، بل ثلاثية مترابطة: القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب كما وقع تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 53.25، والقانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومي خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، والمرسوم رقم 2.26.279 المحدد لسقف النفقات الانتخابية. هذه النصوص الثلاثة، مجتمعة، هي ما يحدد فعلياً ما يحق للمترشح فعله وما يُحظر عليه، وما ينتظره من عقاب إن تجاوز الحدود المرسومة.
من يحق له تنظيم مسيرة، وبأي شرط
تنص المادة الرابعة والثلاثون من القانون التنظيمي رقم 27.11 على أن كل مترشح يرغب في تنظيم مسيرة أو موكب متنقل يحمل إعلانات انتخابية أو يستعمل مكبرات الصوت، ملزم بتوجيه إشعار كتابي إلى السلطة الإدارية المحلية المختصة، سواء كانت الباشا أو القائد أو الخليفة، قبل 24 ساعة على الأقل من موعد التنظيم، مع تحديد وقت الانطلاق والانتهاء والمسار المزمع اتباعه. هذا الشرط الإجرائي ليس عائقاً بيروقراطياً عابراً، بل آلية قانونية تتيح للسلطات المحلية تنظيم الفضاء العمومي خلال فترة تشهد عادة تزاحماً بين حملات متعددة الأحزاب في المدينة أو الدائرة نفسها، وتضمن في الوقت ذاته حق كل مترشح في ممارسة الدعاية دون تعارض مادي مع مترشح آخر يشغل الفضاء نفسه في التوقيت نفسه.
المادة الخامسة والثلاثون تضع قيداً بصرياً محدداً على شكل هذه الدعاية: يُحظر أن تتضمن الإعلانات الانتخابية غير الرسمية، وبرامج المترشحين، والمنشورات المتعلقة بالحملة، اللونين الأحمر أو الأخضر أو كليهما معاً. هذا الحظر يستهدف حماية رمزية العلم الوطني من الاستغلال الحزبي في سياق تنافسي، ويجعل من التصميم البصري لأي مادة دعائية مسألة قانونية بقدر ما هي مسألة تسويقية، إذ يمكن لمخالفة هذا المقتضى أن تعرض المترشح لمساءلة قانونية لا علاقة لها بمضمون برنامجه الانتخابي.
الأماكن المحظورة والجهات الممنوعة من المشاركة
تحدد المادة السادسة والثلاثون بوضوح الفضاءات التي يُمنع فيها القيام بالحملة الانتخابية: أماكن العبادة، المؤسسات التعليمية، مؤسسات التكوين المهني، والإدارات العمومية. هذا الحظر المكاني يترافق مع حظر شخصي يطال الموظفين العموميين وأعوان الإدارات والجماعات الترابية، الممنوعين من توزيع برامج المترشحين أو منشوراتهم خلال أوقات عملهم الرسمية، بصرف النظر عن موقفهم الشخصي من هذا المترشح أو ذاك. المادة نفسها تمتد لتشمل يوم الاقتراع بالذات، حين تمنع أي شخص، سواء بنفسه أو بواسطة غيره، من توزيع البرامج والمنشورات الانتخابية في ذلك اليوم تحديداً، باعتباره يوم الحسم الذي يفترض أن يخلو من أي ضغط دعائي مباشر على الناخب وهو في طريقه إلى صندوق الاقتراع.
الخط الزمني القانوني لانتخابات 23 شتنبر
من حظر استطلاعات الرأي إلى يوم الاقتراع
المادة السابعة والثلاثون، كما عُدّلت بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25، تمنع تسخير الوسائل أو الأدوات المملوكة للهيئات العامة والجماعات الترابية والشركات والمقاولات الخاضعة لأحكام القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة، في خدمة الحملة الانتخابية لأي مترشح، بأي شكل من الأشكال. الاستثناء الوحيد الذي أبقت عليه المادة نفسها يخص أماكن التجمعات الانتخابية والمعدات اللازمة لاستقبال الحاضرين فيها، شريطة أن تضعها الدولة أو الجماعات الترابية على قدم المساواة رهن إشارة جميع المترشحين والأحزاب دون تمييز.
العقوبات: من الغرامة المالية إلى الحبس
الجانب الزجري من هذا الإطار القانوني يتركز أساساً في المادة التاسعة والثلاثون من القانون التنظيمي رقم 27.11. من يقدم على نشر أو توزيع إعلانات انتخابية أو منشورات أو وثائق متعلقة بالحملة يوم الاقتراع بالذات، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو المنصات والتطبيقات المعلوماتية، يواجه عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية تتراوح بين 20 ألف و50 ألف درهم. هذه العقوبة تتشدد إذا كان مرتكب المخالفة موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو الجماعة الترابية، ووقعت المخالفة أثناء مزاولته لعمله، سواء بتوزيع برامج المترشحين أو باستمالة أحد الناخبين للتصويت لحزب أو شخص معين، إذ ترتفع العقوبة في هذه الحالة إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة، وغرامة تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم.
القانون لا يتوقف عند مخالفات النشر والتوزيع فقط، بل يجرّم صراحة الرشوة الانتخابية بمختلف صورها: الحصول على أصوات الناخبين أو محاولة الحصول عليها بواسطة الهدايا أو التبرعات النقدية أو أي منفعة أخرى، أو دفع الناخبين نحو الامتناع عن التصويت عبر الإكراه. هذا التجريم يطال ليس فقط مرتكب الفعل المباشر، بل كل من يتوسط فيه، بعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية تحدد بحسب جسامة الواقعة ومدى تنظيمها.
الحملة الرقمية وسقف الإنفاق
استحدث المشرع المغربي إطاراً خاصاً بالحملة الرقمية استجابة للتحول الذي طرأ على أدوات التواصل السياسي، فأصبح النص التنظيمي يستحضر صراحة شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي ضمن وسائل الحملة الانتخابية الخاضعة للتقنين، لا كفضاء منفلت خارج الرقابة القانونية. المرسوم رقم 2.26.279 حدد سقف النفقات الانتخابية التي يجوز لكل مترشح إنفاقها بمبلغ 600 ألف درهم، على أن تظل النفقات المخصصة للحملة الرقمية محصورة في حدود ثلث هذا السقف الإجمالي. أما على مستوى اللوائح، فقد حدد المرسوم سقفاً إجمالياً قدره 800 ألف درهم لكل لائحة محلية، ومليون ونصف المليون درهم لكل لائحة جهوية، وهو تمييز يعكس الفارق في حجم الناخبين المستهدفين بين النوعين من الدوائر.
هذا التوسع في تقنين الفضاء الرقمي يصطدم عملياً بإشكال بنيوي لم يحسمه النص بعد: طبيعة المنصات الرقمية العابرة للحدود، التي لا تخضع لسيطرة تشريعية وطنية خالصة. حين يمنع القانون نشر الدعاية الانتخابية عبر شبكات التواصل الاجتماعي يوم الاقتراع، فإن التطبيق الفعلي لهذا المنع يفترض القدرة على تتبع وإثبات مصدر المحتوى المنشور، وهو أمر يصعب حسمه حين يكون الحساب الناشر مسجلاً خارج التراب الوطني، أو حين يُستخدم كوسيلة تشويش من طرف خصوم المترشح لا من قبله. هذه الفجوة بين النص التقني الصارم والواقع التطبيقي المعقد للفضاء الرقمي العابر للحدود تبقى من أكثر نقاط الإطار القانوني الحالي حاجة إلى تطوير آليات إثبات وتتبع تواكب سرعة انتشار المحتوى الرقمي نفسه.
صمت انتخابي يسبق الحملة بخمسة عشر يوماً
من المقتضيات الأقل تداولاً إعلامياً لكنها بالغة الأهمية القانونية، ما تنص عليه المادة 115 من القانون رقم 57.11 بشأن استطلاعات الرأي. يمنع هذا النص إجراء أي استطلاع رأي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاستفتاء أو الانتخابات التشريعية، خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق للتاريخ المحدد لانطلاق الحملة الانتخابية إلى غاية انتهاء عمليات التصويت. المادة نفسها تمنع، خلال الفترة ذاتها، نشر نتائج أي استطلاع رأي سبق إجراؤه أو التعليق عليها. بما أن الحملة انطلقت يوم 10 شتنبر، فإن فترة الحظر هذه بدأت فعلياً منذ 26 غشت 2026، أي أن المشرع اختار حماية الناخب من أي تأثير إحصائي مسبق على قراره لفترة تمتد لأكثر من شهر كامل قبل يوم الاقتراع نفسه، لا خلال أيام الحملة الرسمية فقط.
ما يعنيه هذا الإطار عملياً لكل طرف في هذا الاستحقاق
مجمل هذه النصوص يرسم صورة واضحة لمترشح 23 شتنبر 2026: مساحة تنافس محكومة بأجل زمني صارم، إشعارات إدارية إجبارية لكل نشاط ميداني، حدود بصرية ومكانية للدعاية، سقف مالي محدد بدقة للإنفاق التقليدي والرقمي على حد سواء، وعقوبات متدرجة تصل إلى الحبس الفعلي في حالات التوزيع غير القانوني ليوم الاقتراع أو الرشوة الانتخابية المثبتة. بالنسبة للناخب، فإن معرفة هذا الإطار تعني القدرة على تمييز المخالفة القانونية الموثقة من مجرد الخلاف السياسي أو التنافس المشروع، وهو تمييز يصبح أكثر إلحاحاً كلما اقترب موعد الاقتراع وتصاعدت وتيرة الحملات الميدانية والرقمية في آن واحد.
