قانون المحاماة المغربي: نص نافذ بلا حسم دستوري.

عادة ما يسير النص التشريعي في المغرب وفق مسار محدد: مصادقة برلمانية، ثم إحالة اختيارية أو إلزامية على المحكمة الدستورية إذا أُثيرت طعون جدية، ثم نشر في الجريدة الرسمية بعد حسم أي شك في المطابقة الدستورية. لكن القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة كسر هذا التسلسل. فقد صدر مرسومه التنفيذي في العدد 7536 من الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026 بناءً على الظهير الشريف رقم 1.26.75، بينما بقيت الإحالة المرفوعة إلى المحكمة الدستورية لفحص مطابقته للدستور معلقة دون بت، بسبب اختلالات مسطرية طالت عملية الإحالة نفسها لا مضمون الطعون. بعبارة أخرى: نص يمس بنية مهنة كاملة دخل حيز التطبيق الناجز دون أن يحصل على الشهادة الدستورية التي يفترض أن تحسم الجدل حول شرعيته.

و هذه ليست مجرد ثغرة إجرائية عابرة. بل هي سابقة تكشف هشاشة في آليات الضبط الدستوري حين تتقاطع الإرادة السياسية لتمرير إصلاح تشريعي مع رفض مهني منظم يملك قدرة تعطيلية حقيقية، كما أثبتت جمعية هيئات المحامين بالمغرب حين حولت رفضها إلى إضراب مفتوح ومقاطعة شاملة لمختلف محاكم المملكة.

كيف تعطلت الرقابة الدستورية على قانون يمس مهنة كاملة

الإحالة على المحكمة الدستورية ليست إجراءً شكلياً في النظام الدستوري المغربي. فهي تعتبر الضمانة الأخيرة التي تحول دون نفاذ نص يحمل عيوباً جوهرية تمس حقوقاً وحريات أساسية، ومن بينها حق الدفاع الذي يرتبط عضوياً بمهنة المحاماة. حين تُثار طعون بعدم دستورية مواد بعينها، كما حصل مع المادة 35 والمادة 76 من مشروع القانون 66.23 وفق قراءات قانونية متعددة تداولتها منصات متخصصة، فإن المتوقع أن تحسم المحكمة الدستورية هذه الطعون قبل أي حديث عن النفاذ.

ما حصل مغاير تماماً. الإحالة تعثرت لأسباب مسطرية تتعلق بعملية الإحالة ذاتها، لا بجوهر الطعون. هذا يعني أن السؤال الدستوري الأصلي، هل تنتهك بعض مواد القانون حصانة الدفاع أو تخل بمبدأ استقلال المهنة، لم يُطرح أصلاً أمام القضاء الدستوري بالشكل الذي يسمح بالفصل فيه. والنتيجة أن نصاً محل نزاع جوهري أصبح نافذاً استناداً إلى ظهير تنفيذي، تاركاً السؤال الدستوري معلقاً في فراغ قانوني لا سابقة واضحة له في التجربة التشريعية المغربية الحديثة.

هذا النوع من الفجوات ليس حكراً على المغرب. فأنظمة قانونية أخرى عرفت حالات مشابهة حين تسارعت السلطة التنفيذية في تنفيذ نص تشريعي قبل استنفاد آليات الرقابة الدستورية عليه بالكامل، غالباً بذريعة الحاجة الملحة للإصلاح أو تعقيد المسار البرلماني. لكن الفارق الجوهري في الحالة المغربية أن الفئة المتضررة، جسم مهني منظم وموحد يملك أدوات ضغط فعلية كالإضراب ومقاطعة المحاكم، لم تنتظر حسم القضاء الدستوري لتعبر عن رفضها. بل انتقلت مباشرة إلى المواجهة المفتوحة.

من الاحتجاج النقابي إلى الأزمة المؤسسية

الخط الزمني للاحتجاج يكشف تصاعداً متدرجاً لم يتوقف عند حدود التنظيم المهني المحلي. فالأمر بدأ بوقفات احتجاجية وتوقفات جزئية عن العمل مع رفع شارات احتجاجية داخل أروقة المحاكم، قبل أن يتطور إلى إضرابات شملت مختلف محاكم المملكة. وبعد نشر النص في الجريدة الرسمية، عقدت جمعية هيئات المحامين اجتماعاً استثنائياً ماراثونياً امتد حتى ساعات متأخرة من الليل، خلص إلى توصية بمواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، رغم وجود أصوات دعت إلى التهدئة وتغليب خيار الترافع المؤسسي بعد أسابيع طويلة من التصعيد. غلبت كفة الرافضين للعودة إلى المحاكم في الوقت الراهن، معتبرين أن الإضراب المفتوح هو ورقة الضغط الأخيرة المتاحة للمطالبة بمراجعة المقتضيات الخلافية.

مسار قانون 66.23: من المشروع إلى الأزمة

خط زمني لأزمة قانون المحاماة المغربي

8 يوليوز
مصادقة برلمانية نهائية
مجلس المستشارين يتبنى القانون في القراءة الثانية بأغلبية 27 صوتاً
يوليوز
إحالة على المحكمة الدستورية
طعون بعدم الدستورية تطال مواد عدة من بينها المادة 35 والمادة 76
أغسطس
تعثر الإحالة الدستورية
اختلالات مسطرية تحرم المحكمة الدستورية من حسم مطابقة النص للدستور
20 غشت
النشر في الجريدة الرسمية
المرسوم التنفيذي ينشر في العدد 7536 استناداً إلى الظهير 1.26.75
28 غشت
تدويل الأزمة
اتحاد المحامين العرب يناشد الملك بينما يستمر الإضراب المفتوح

محتوى 0.4 — التشريع الذكي

ثم جاء التدويل. في 28 غشت 2026، حين أصدر اتحاد المحامين العرب بياناً وصف ما يجري في المغرب بأنه “تدهور يمس في صميمه استقلالية رسالة الدفاع وحصانتها المكرسة دستورياً ودولياً”، مؤكداً وقوفه الكامل واللامشروط مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وذاهباً إلى حد مناشدة حكمة الملك لإعادة الملف إلى مجراه الطبيعي. وهذا مايحدث حين تتحول أزمة تشريعية محلية إلى ملف تتناوله منظمة عربية دولية غير حكومية معنية برعاية شؤون مهنة المحاماة في الوطن العربي بأكمله، فإن ذلك مؤشر على أن ما يجري تجاوز حدود النزاع النقابي التقليدي ليصبح اختباراً لمصداقية آليات الضبط الدستوري في المنطقة ككل.

الثغرة البنيوية: حين يسبق التنفيذ الحسم القانوني

الدرس الأعمق في هذه الأزمة ليس تفصيل المواد المتنازع عليها، بل السؤال البنيوي الذي تطرحه: ماذا يحدث حين تتعطل آلية الرقابة الدستورية لأسباب إجرائية بحتة، فبينما يستمر النص في إنتاج آثاره القانونية والمهنية كأن شيئاً لم يحدث؟ من الناحية النظرية، يفترض أن يكون هذا الوضع مؤقتاً ريثما تُصحح الإحالة وتُستأنف المسطرة أمام المحكمة الدستورية. لكن من الناحية العملية، كل يوم يمر والقانون نافذ يعني تراكم آثاره القانونية الفعلية في الواقع ، دون تعيينات جديدة للمحامين وفق القواعد الجديدة، فتطبيق مقتضيات الرقابة المالية، و تفعيل القواعد الإلزامية الموسعة في قضايا الجنايات، دون أن يكون واضحاً ما سيحدث لهذه الآثار إذا حسمت المحكمة الدستورية لاحقاً بعدم دستورية بعض المواد.

هذا التوتر بين الحل القانوني المثالي (تعليق التنفيذ لحين الحسم الدستوري) والواقع التطبيقي (نص نافذ يُنتج آثاراً يومية) هو بالضبط ما يجعل الأزمة المغربية حالة دراسية بامتياز لأي باحث يتابع فجوات التشريع مقارنة بضماناته المعلنة. القانون يقول إنه يحترم استقلالية المهنة وحصانة الدفاع، لكن آلية إقراره وتنفيذه أنتجت واقعاً معاكساً: مهنة كاملة في إضراب مفتوح ضد نص يفترض أنه يخدم مصلحتها العامة.

الزاوية العربية: من يملك الكلمة الفصل حين يتصادم البرلمان والمهنة؟

الأزمة المغربية تعيد طرح سؤال جوهري يتكرر في أكثر من تجربة عربية: من يملك الكلمة الفصل حين تتصادم إرادة تشريعية برلمانية مع رفض جسم مهني منظم يعتبر نفسه شريكاً في صياغة القوانين التي تنظمه لا مجرد متلقٍ لها؟ في مصر، شهدت تعديلات قانون المحاماة على مدى العقدين الماضيين احتجاجات مماثلة من نقابة المحامين، لكنها غالباً ما انتهت بتفاوض مباشر أفضى إلى تعديلات جزئية قبل النفاذ النهائي، لا بعده. وفي تونس، حين حاولت الحكومة تعديل قانون تنظيم مهنة المحاماة في مطلع العقد الحالي، اصطدمت بمعارضة شرسة من الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، وانتهى الأمر بسحب النص وإعادة صياغته بالتشاور معها قبل أي محاولة جديدة للتمرير.

المغرب، في هذه الحالة تحديداً، اختار مساراً مختلفاً عن كلا النموذجين. لم يُسحب النص، ولم يُعدَّل قبل النفاذ، بل استمر في مساره حتى النشر الرسمي بينما بقيت آلية التصحيح الدستوري معطلة. هذا يجعل السابقة المغربية حالة فريدة لدراسة ما يحدث حين تفشل ثلاث آليات ضبط في وقت واحد: التفاوض المسبق مع الجسم المهني، الحسم الدستوري القضائي، والتراجع التشريعي الاستباقي. غياب هذه الآليات الثلاث مجتمعة هو ما حوّل نزاعاً تشريعياً عادياً إلى أزمة مؤسسية تستدعي تدخل هيئة عربية دولية ومناشدة أعلى سلطة في الدولة.

قد يُحسم هذا الملف قريباً، إما بتصحيح مسطرة الإحالة أمام المحكمة الدستورية وصدور قرار نهائي، أو بتفاوض سياسي يفضي إلى تعديل المقتضيات الخلافية. لكن الأثر الأعمق لهذه الأزمة سيبقى بعد حسمها: سابقة موثقة تثبت أن النفاذ التشريعي في المغرب لم يعد يشترط بالضرورة الحسم الدستوري الكامل، وهذا وحده كافٍ لإعادة النظر في متانة الجدار الفاصل بين الإرادة التشريعية والرقابة الدستورية.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 136