في العشرين من غشت 2026، نشر العدد 7536 من الجريدة الرسمية المغربية نص المرسوم التنفيذي للقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، استناداً إلى الظهير الشريف رقم 1.26.75. بين مئات المقتضيات التي حملها النص، وقف بند واحد عند تخوم حساسة نادراً ما تجرؤ التشريعات على الاقتراب منها: إخضاع حسابات الودائع والأداءات الخاصة بالمحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. لم يكن الأمر تفصيلاً محاسبياً عابراً. كان مساساً مباشراً بأحد أعمدة مهنة المحاماة التي لم تُمس منذ صياغة أول قانون منظم لها في المغرب: السر المهني.
الفكرة في ظاهرها بسيطة ومنطقية. المحامي يستقبل أموال موكليه في حسابات ودائع مخصصة، يديرها وفق قواعد صارمة تحددها هيئة المحامين، وتخضع أصلاً لرقابة داخلية عبر النقابة والمجلس التأديبي. القانون الجديد يضيف طبقة رقابية خارجية، هي جهاز الدولة المكلف بمراقبة المال العام والمالية العمومية. والسؤال الذي يطرحه فقهاء القانون منذ الإعلان عن هذا المقتضى واضح: كيف تُراقب مؤسسة دستورية مهمتها الأصلية مراقبة المال العام حسابات خاصة يفترض أن تبقى، من حيث المبدأ، خارج نطاق تدخل السلطة التنفيذية أو أي هيئة تتصل بها؟
السر المهني ليس امتيازاً نقابياً بل ضمانة دستورية
يخطئ من يظن أن السر المهني للمحامي مجرد تقليد مهني قابل للتفاوض. هو في جوهره امتداد لحق الدفاع المكفول دستورياً، ولحق المتقاضي في اللجوء إلى محامٍ يثق أن كل ما يبوح له به، بما في ذلك تفاصيل معاملاته المالية المرتبطة بالنزاع، يبقى محمياً من أي تسرب. حين تدخل حسابات الودائع تحت رقابة جهاز مالي حكومي، فإن الخط الفاصل بين “الرقابة المالية المشروعة” و”الاطلاع غير المباشر على تفاصيل العلاقة بين المحامي وموكله” يصبح رفيعاً إلى درجة الغموض.
المفارقة أن المشرع لم يخترع هذا التوتر من فراغ. المغرب، مثل معظم الدول التي وسعت في العقد الأخير قوانين مكافحة غسل الأموال، يجد نفسه تحت ضغط معايير دولية تفرض تتبع التدفقات المالية عبر المهن القانونية والمحاسبية، باعتبارها من أكثر القنوات عرضة للاستغلال في إخفاء أموال مشبوهة. مجموعة العمل المالي (GAFI) أدرجت المحامين ضمن “المهن غير المالية الخاضعة” التي يجب أن تلتزم بمعايير العناية الواجبة تجاه عملائها، وهذا ما دفع عدداً من الأنظمة القانونية إلى فرض آليات إفصاح أو رقابة على حسابات الودائع المهنية دون المساس، من حيث المبدأ، بمضمون الاستشارة القانونية نفسها.
المشكلة أن هناك فرقاً جوهرياً بين رقابة تستهدف كشف عمليات غسل الأموال عبر آليات تقنية محددة، وبين إخضاع كامل الحساب لجهاز تدقيق تابع للدولة له صلاحية الاطلاع على القيود والحركات المالية بتفصيل قد يكشف، ولو بشكل غير مباشر، هوية الموكلين وطبيعة القضايا وحجم الأتعاب. القانون رقم 66.23 لم يفصل، وفق ما تناقلته الأوساط القانونية المغربية، بين النوعين بوضوح كافٍ، وهو ما جعل جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعتبر هذا المقتضى من أخطر بنود النص.
إضراب مفتوح في وجه نص نافذ
ما يميز هذه الأزمة عن نزاعات تشريعية سابقة أنها لا تدور حول مشروع قانون معلق، بل حول نص نافذ فعلاً. فبمجرد نشر المرسوم التنفيذي في الجريدة الرسمية، دخل القانون حيز التطبيق، بينما ظلت المحكمة الدستورية عاجزة عن حسم الطعون المرفوعة ضده بسبب اختلالات مسطرية طالت عملية الإحالة ذاتها. النتيجة أن نصاً يمس بنية مهنة كاملة أصبح نافذاً دون أن يحظى بغطاء دستوري نهائي، وهو ما دفع جمعية هيئات المحامين إلى الدخول في إضراب مفتوح ومقاطعة شاملة للمحاكم، رافضة العودة إلى العمل رغم دخول النص حيز التنفيذ الناجز.
اتحاد المحامين العرب لم يبق بعيداً عن الملف. في بيان صادر في 28 غشت 2026، عبّر عن انشغاله الشديد إزاء ما وصفه بـ”تدهور يمس في صميمه استقلالية رسالة الدفاع وحصانتها المكرسة دستورياً ودولياً”، مناشداً تدخل الملك لإعادة الملف إلى مساره الطبيعي. هذا التدويل السريع للأزمة يكشف أن ما يجري في المغرب لم يعد نزاعاً نقابياً محلياً، بل أصبح سابقة تُراقَب من هيئات المحاماة في المنطقة العربية بأكملها، خاصة أن كثيراً من الأنظمة القانونية العربية تواجه ضغوطاً مشابهة لتحديث تشريعات المهن القانونية بما يتماشى مع معايير الشفافية المالية الدولية.
من يراقب حسابات المحامين؟
ثلاثة نماذج عربية لتنظيم الرقابة المالية على المهنة
محتوى 0.4 — التشريع الذكي
حين يتحول الالتزام الدولي إلى أداة تدخل محلي
هنا تكمن الفجوة الحقيقية بين ما يقوله القانون وما تفعله الممارسة. النص التشريعي يُقدَّم بلغة الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال، وهي لغة يصعب معارضتها علناً لأنها تحمل غطاء دولياً مشروعاً. لكن الآلية التطبيقية، حين تُسند صلاحية الرقابة لجهاز واحد دون فصل واضح بين البيانات المالية المجردة ومضمون العلاقة المهنية، تفتح الباب أمام استخدام أداة الشفافية المالية كوسيلة تدخل في استقلالية المهنة. هذه ليست حالة نظرية. تجارب دول أخرى، من فرنسا إلى بلجيكا، حين وسعت رقابتها على الحسابات المهنية للمحامين، اضطرت إلى إنشاء آليات وسيطة تحول دون اطلاع الجهاز الرقابي مباشرة على تفاصيل العلاقة بين المحامي وموكله، عادة عبر تكليف هيئة المحامين نفسها بدور “الحاجز” الذي يستقبل طلبات الرقابة ويصفيها قبل تمريرها.
القانون المغربي، كما صيغ ونُشر، لم يتضمن، بحسب قراءات قانونية متعددة تداولتها منصات متخصصة كموقع مغرب القانون، آلية وسيطة مماثلة تحمي هذا الحاجز. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا لم يعترض المحامون على مبدأ الرقابة المالية في حد ذاته، بقدر ما اعترضوا على غياب الضمانات الإجرائية التي تفصل بين الرقابة المشروعة والتدخل غير المشروع في السر المهني.
الزاوية العربية: مفارقة الاستقلالية في زمن الشفافية الإجبارية
المغرب ليس استثناءً في هذا الصراع بين مقتضيات الشفافية المالية الدولية واستقلالية المهن القانونية. في مصر، أثارت التعديلات المتعاقبة على قانون مزاولة مهنة المحاماة نقاشاً مشابهاً حول حدود رقابة الدولة على حسابات المحامين، خاصة في القضايا المرتبطة بالاستثمار الأجنبي والتحكيم التجاري الدولي. وفي الإمارات، حيث تسعى الدولة إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتحكيم والخدمات القانونية، جرى تبني نموذج تنظيمي يفصل بوضوح بين رقابة مكافحة غسل الأموال التي تديرها هيئات مالية متخصصة، وبين استقلالية العلاقة المهنية التي تبقى تحت إشراف نقابات المحامين حصرياً. أما في السعودية، فقد سارت وزارة العدل في اتجاه مشابه ضمن رؤية 2030 حين حدّثت تنظيم المهنة، لكنها أبقت على آلية رقابة داخلية عبر الهيئة السعودية للمحامين كخط دفاع أول قبل أي تدخل خارجي.
المفارقة أن الدول التي نجحت في التوفيق بين الشفافية المالية واستقلالية المهنة هي تلك التي أشركت هيئات المحامين في تصميم آلية الرقابة قبل تشريعها، لا بعد الاحتجاج عليها. المغرب اختار مساراً معاكساً: تشريع صيغ داخل أروقة وزارة العدل، ثم أحيل على البرلمان الذي مرره بأغلبية مريحة، ليصطدم لاحقاً برفض مهني واسع لم يجد طريقه إلى النص النهائي إلا بعد فوات الأوان. هذا النمط، تكرار سن نصوص تمس مهناً حساسة دون تشاور مسبق كافٍ، ليس حكراً على المغرب، لكنه يبرز هنا بوضوح استثنائي بسبب التزامن بين نفاذ القانون وعجز القضاء الدستوري عن حسم الطعون الموجهة ضده.
الحسابات المصرفية للمحامين لم تعد مجرد أرقام محاسبية. أصبحت، بفعل هذا القانون، الحدّ الفاصل بين مفهومين متنازعين لدور الدولة تجاه مهنة الدفاع: دولة تراقب لحماية النظام المالي، ودولة تراقب لإحكام قبضتها على مهنة ظلت تاريخياً الأكثر مقاومة لأي تدخل خارجي في استقلاليتها.
