طلبت من النموذج كتابة مقال تحليلي. حصلت على نص عام مليء بالكلام الإنشائي. أعدت الصياغة ثلاث مرات، وفي كل مرة احصل على نسخة أطول من الكلام العام نفسه. أغلقت المحادثة وقررت أن الأداة لا تفهمني.
لكن المشكلة لم تكن في الأداة. المشكلة أن النموذج لم يفهم ما أريده فعلاً.
اذن كيف تكتب برومبتاً يفهمك؟ و ليس نسخ قالب جاهز من الإنترنت. قالب كُتب لشخص آخر، بسياق آخر، ومهمة مختلفة. ما تحتاجه هو فهم الفجوة بين ما تقصده في ذهنك وما يقرأه النموذج في نصك.
هذا المقال لا يُقدّم وصفات سحرية في prompt engineering. بل يشرح المنطق الذي يجعل النموذج يفهمك، بأمثلة من تجربة حقيقية في الكتابة التحليلية بالعربية.
لماذا لا يفهمك النموذج؟
النموذج اللغوي لا يفهم نصك بالمعنى الذي تتخيله. هو فقط يتنبأ بالكلمة التالية الأكثر احتمالاً بناءً على كل ما سبقها. كل كلمة تكتبها تُضيّق مساحة الاحتمالات أو تُوسّعها.
حين تكتب “اكتب مقالاً تحليلياً عن الذكاء الاصطناعي”، فأنت تفتح أمام النموذج آلاف المسارات: مقال أكاديمي أم صحفي؟ ألف كلمة أم خمسة آلاف؟ بنبرة حيادية أم ناقدة؟ بمصادر أم بدون؟
أنت تحمل إجابات هذه الأسئلة في ذهنك، لكنك لم تكتبها. والنموذج لا يقرأ ذهنك.
كل فراغ تتركه يملؤه بالخيار الأكثر تكراراً في بيانات تدريبه، أي ذلك الكلام المتوسط الذي لا يُرضي أحداً.
هذا يُفسّر مفارقة يعرفها كل مستخدم: تكتب أوامر تبدو واضحة تماماً بالنسبة لك، فتحصل على نتيجة لا علاقة لها بما أردت. الوضوح في ذهنك ليس وضوحاً في النص الذي أرسلته. وثائق Anthropic الرسمية حول أفضل ممارسات البرومبت تُلخّص هذا المبدأ بوضوح: كلما زاد السياق الذي تمنحه للنموذج، قلّت مساحة التخمين وارتفعت احتمالية أن يفهمك.
الفجوة بين ما تقصده وما يقرأه النموذج
المشكلة أعمق من مجرد نقص في التفاصيل. هناك فجوة بنيوية بين طريقة تفكيرك وطريقة معالجة النموذج لكلماتك.
حين تكتب “أريد مقالاً احترافياً”، كلمة “احترافي” تعني لك شيئاً محدداً: ربما تعني نبرة رصينة، أو توثيقاً دقيقاً، أو بنية معينة تعرفها من المجلات التي تقرؤها. لكن النموذج دُرّب على ملايين النصوص التي وُصفت بأنها “احترافية”، وهي تتراوح بين تقارير استشارية جافة ونصوص تسويقية لامعة ومقالات أكاديمية مُثقلة بالمصطلحات.
كلمة واحدة غامضة تفتح عشرات المسارات المتناقضة. النموذج لا يفهم ماذا تقصد بالتحديد.
الحل ليس في كتابة برومبت أطول بالضرورة، بل في استبدال الكلمات الغامضة بوصف سلوكي محدد. بدل “اكتب بأسلوب احترافي”، جرّب: “اكتب بنبرة تحليلية رصينة، جمل متوسطة الطول، بلا تعبيرات إنشائية، مع ربط كل ادعاء بمصدره.”
الجملة الثانية أطول، لكنها لا تترك مساحة للتخمين. أنت لم تصف الأسلوب بصفة عامة بل رسمت حدوده بدقة. النموذج الآن يفهم ماذا تريد.
هذا ينطبق على كل صفة مجردة تستخدمها في تعليماتك. “عميق”، “مفصّل”، “إبداعي”، “بسيط”، كلها كلمات تعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، والنموذج سيختار التفسير الأكثر شيوعاً لا التفسير الذي في ذهنك. كل صفة مجردة تستبدلها بوصف سلوكي ملموس تُقرّبك خطوة من أن يفهمك النموذج فعلاً.
لماذا القوالب الجاهزة لن تفهمك؟
الإنترنت مليء بمقالات تعِدك بـ”أفضل عشرة قوالب” أو “الصيغة السحرية” لكتابة البرومبت. بعضها مفيد كنقطة انطلاق، لكن الاعتماد عليها يُولّد مشكلة أعمق.
القالب كُتب لسياق شخص آخر. باحث قانوني سعودي يريد تحليل نظام حماية البيانات الشخصية يحتاج تعليمات مختلفة تماماً عن صحفي مصري يريد تبسيط تقرير اقتصادي دولي. القالب الواحد لا يخدم الاثنين لأن السياق مختلف والقارئ المستهدف مختلف والنبرة المطلوبة مختلفة.
القالب لا يفهمك. لأنه لا يعرف سياقك.
الأخطر من ذلك: القوالب تُعلّمك ماذا تكتب دون أن تُعلّمك لماذا. حين يتغير النموذج أو تتغير المهمة، تعود للبحث عن قالب جديد. تحسين كتابة البرومبت الحقيقي لا يبدأ من الصيغة بل من فهم كيف تجعل النموذج يفهمك أنت، بسياقك الخاص.
أربعة مبادئ تجعل النموذج يفهمك
السياق أولاً: اشرح من أنت قبل أن تطلب
الخطأ الأكثر شيوعاً: البدء بفعل الأمر المباشر. “اكتب”، “لخّص”، “حلّل”. النموذج ينفّذ فوراً دون أن يعرف لمن ولماذا. كيف سيفهمك إذا لم تخبره من أنت؟
ما يصنع الفرق: أن تُخبر النموذج من أنت، من القارئ، ما السياق، ما القيود، ثم تطلب المهمة. في منصة محتوى 0.4 لا يبدأ برومبت الكتابة بعبارة “اكتب مقالاً”. يبدأ ببيانات الإدخال: الموضوع، الكلمة المفتاحية، السؤال المركزي الذي يجيب عنه المقال، الزاوية التحليلية، القسم وطبيعة قارئه، الطول المطلوب، نوع الخاتمة.
كل هذا قبل أن يكتب النموذج جملة واحدة. لأن النموذج يحتاج أن يفهم السياق الكامل أولاً.
النتيجة ليست تحسيناً طفيفاً. إنها الفرق بين مسودة تحتاج تعديلات محدودة ومسودة تحذفها بالكامل.
| برومبت لا يفهمك | برومبت يفهمك |
|---|---|
| “اكتب مقالاً عن الذكاء الاصطناعي في القانون” | السياق: أنت كاتب قانوني متخصص. القارئ: محامون وباحثون عرب. الموضوع: استخدام الذكاء الاصطناعي في الصياغة التشريعية. الطول: 1800 كلمة. النبرة: تحليلية رصينة. المطلوب: مقال يفسّر الآليات لا يصف الظاهرة. |
| نتيجة عامة يمكن نشرها في أي موقع | نتيجة محددة تحمل هوية واضحة |
ما تمنعه يجعل النموذج يفهمك أكثر
أغلب المستخدمين يُفصّلون ما يريدونه ويُهملون ما لا يريدونه. النتيجة: النموذج يملأ الفراغات بما يراه “طبيعياً” في بيانات تدريبه. والطبيعي في ملايين النصوص المتوسطة هو بالتحديد ذلك الكلام الإنشائي الذي تكرهه.
حين تحدد ما لا تريده، أنت تساعد النموذج على فهمك بدقة أكبر.
في نظام الكتابة الذي تستخدمه محتوى 0.4 قسمٌ مستقل للممنوعات: لا عبارات من نوع “في عالم يتسارع”. لا إعادة صياغة المقدمة في الخاتمة. لا قوائم نقطية إلا حين تخدم المعنى. لا “يُعتبر من أهم” ولا “تجدر الإشارة”. هذه الممنوعات تُضيّق نطاق التنبؤ وتُجبر النموذج على صياغات أدق. نص يبدو مكتوباً لا مُولّداً.
جرّب بنفسك: أضف ثلاثة أشياء لا تريدها إلى برومبتك الحالي. ستلاحظ أن النموذج بدأ يفهمك أكثر. الفرق أوضح مما تُحدثه ثلاث تعليمات إيجابية إضافية.
قسّم المهمة: لا تطلب كل شيء مرة واحدة
حين تطلب كتابة مقال ومراجعته واقتراح عنوانه وضبط السيو واختيار الوسوم في برومبت واحد، أنت تُربك النموذج. لن يفهم أي المهام أولوية، فيؤدي كلها بمستوى متوسط.
محتوى 0.4 تعمل بنظام مختلف: برومبت مخصص للكتابة وبرومبت منفصل تماماً للمراجعة. الأول يكتب فقط. الثاني يفحص النص عبر طبقات مستقلة: التوثيق، التحليل، البنية، الأسلوب، اللغة. كل طبقة لها معايير، وكل ملاحظة مربوطة بموضع محدد في النص.
هذا الفصل يساعد النموذج على فهم دوره بدقة في كل مرحلة. كاتب ثم ناقد، ليس الاثنين معاً.
حدّد الشكل: لا تترك التفاصيل للتخمين
أغلب أوامر النماذج اللغوية تُحدّد الموضوع وتترك كل شيء آخر مفتوحاً: الطول، البنية، الخاتمة، مستوى التفصيل. النتيجة المتوقعة: نص “قياسي” يُشبه ملايين النصوص الأخرى.
كلما حدّدت تفاصيل الشكل، فهمك النموذج أكثر واقتربت النتيجة من صوتك. وهذا ما ناقشناه في كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد صوتك: الأداة تفهمك حين تُحدّد الإطار، وتستبدلك حين تترك لها القرار.
تفاصيل لا تبدو مهمة لكنها تجعل النموذج يفهمك: الطول بمدى دقيق. نوع الخاتمة حسب طبيعة القسم. العناوين الفرعية كأسئلة أو جمل حادة لا توصيفات عامة. تنويع الإيقاع بين الأقسام. هذه هي التفاصيل التي تمنح النص هوية بدل أن يصلح لأي موقع آخر.
برومبت يفهمك: نظام لا رسالة عابرة
الخطأ الجوهري: التعامل مع كتابة البرومبت كرسالة عابرة. تكتب، ترسل، تنتظر. لم تعجبك النتيجة؟ تُعيد الصياغة عشوائياً وتأمل أن يفهمك النموذج هذه المرة.
برومبت يفهمك ليس رسالة واحدة. هو نظام يتضمن:
- بيانات إدخال تُحدّد ما تعرفه عن المهمة
- تعليمات تُحدّد ما تريده
- ممنوعات تُحدّد ما لا تريده
- معايير إخراج تُحدّد كيف تقيس الجودة
يُضاف إليه برومبت مراجعة مستقل يفحص المُخرَج بمعايير مختلفة.
نظام محتوى 0.4 لم يظهر مكتملاً من اليوم الأول. بدأ بأسطر قليلة أنتجت مقالات مقبولة لكنها متشابهة. كل مشكلة أضافت طبقة: النموذج يُكرّر البنية نفسها؟ أُضيفت تعليمات تنويع إلزامية. يتجاهل النبرة؟ أُضيف وصف الصوت التحريري. يُنتج نصاً بلا مصادر؟ أُضيف شرط ربط كل ادعاء واقعي بمرجعه.
كل إضافة جاءت من خلل اكتشفناه أثناء الاستخدام لا من تنظير مسبق. برومبت يفهمك يُبنى بالتراكم، بالاستماع لما لا يفهمه النموذج وتوضيحه.
كيف تجعل النموذج يفهم العربية؟
أغلب أدبيات prompt engineering كُتبت بالإنجليزية ولمستخدمين يكتبون بالإنجليزية. هذا يخلق مشكلة عملية يواجهها كل باحث وكاتب عربي يحاول أن يجعل النموذج يفهمه.
النماذج اللغوية الكبرى تُدرَّب على بيانات إنجليزية بنسبة تتجاوز غيرها بمراحل. وفق تقرير مبادرة AI4Arabic, تشكّل البيانات العربية أقل من 1% من مجموع بيانات التدريب للنماذج الكبرى مثل GPT وClaude. النتيجة: حين تكتب برومبتك بالعربية، يكون النموذج أقل “ثقة” في تنبؤاته. يميل إلى صياغات أكثر تحفظاً وأقل حدة، ويلجأ أحياناً إلى تراكيب مترجمة لا تبدو طبيعية بالعربية.
هذا لا يعني أن الأدوات لا تفهم العربية، لكنه يعني أنك تحتاج إلى تعويض هذا الفارق بتعليمات أكثر تحديداً لتجعل النموذج يفهمك بالعربية.
في تجربة محتوى 0.4 اكتشفنا أن إضافة وصف دقيق للصوت التحريري العربي المطلوب تُحدث فرقاً كبيراً في أن يفهمك النموذج. لا يكفي أن تقول “اكتب بالعربية الفصحى”. تحتاج أن تُحدّد: هل تريد عربية صحفية حديثة أم أكاديمية رسمية؟ هل تسمح ببدء الجملة بالفعل أم تُفضّل الجمل الاسمية؟ هل تقبل أدوات ربط مثل “إذ” و”بَيد أن” أم تريد أسلوباً أبسط؟
كل تفصيل لغوي تحدده يُقلّل من ميل النموذج نحو العربية “المترجمة” ويجعله يفهم العربية التي تريدها أنت: عربية تتنفس بطبيعية.
ملاحظة عملية أخرى: ترتيب اللغات في البرومبت يؤثر أحياناً على فهم النموذج. إذا كتبت التعليمات بالعربية لكنك أدرجت مصطلحات إنجليزية كثيرة في صلب البرومبت، قد يميل النموذج إلى مُخرَج هجين يخلط بين البنيتين. الأفضل أن تكتب التعليمات بالعربية بالكامل وتضع المصطلحات الإنجليزية بين قوسين حين تحتاجها فقط لتحديد مفهوم تقني لا مقابل عربياً راسخاً له.
أسئلة يطرحها كل من يريد أن يفهمه النموذج
هل يختلف البرومبت من نموذج لآخر؟
في المبادئ الأساسية، لا. السياق قبل الأمر، والتقييد بقدر التوجيه، وتقسيم المهام، كلها تجعل أي نموذج يفهمك أكثر: ChatGPT وClaude وGemini وغيرها. الاختلاف يكون في التفاصيل الدقيقة: بعض النماذج تستجيب أفضل لتعليمات مُرقّمة، وبعضها يتفوق حين تمنحه أمثلة على المُخرَج المطلوب. التجريب مع كل نموذج يكشف كيف يفهم كل واحد منها تعليماتك.
هل البرومبت الطويل يجعل النموذج يفهمني أكثر؟
ليس بالضرورة. برومبت يفهمك طويل بقدر ما تتطلبه المهمة. مهمة بسيطة مثل تلخيص فقرة لا تحتاج صفحة من التعليمات. لكن كتابة مقال تحليلي بصوت محدد ومعايير دقيقة تحتاج نظاماً متكاملاً حتى يفهمك النموذج. القاعدة: إذا حذفت جزءاً من البرومبت ولم يتأثر المُخرَج، فهذا الجزء كان زائداً ولم يساعد النموذج على فهمك.
هل إذا فهمني النموذج لن أحتاج مراجعة؟
لا. أفضل برومبت في العالم يُنتج مسودة متقدمة لا نصاً نهائياً. الفرق أن المسودة المتقدمة تحتاج تعديلات محدودة بينما المسودة العشوائية تحتاج إعادة كتابة. برومبت يفهمك يرفع نقطة البداية، لكنه لا يُلغي دور الكاتب.
من أين تبدأ لتجعل النموذج يفهمك؟
لا تبحث عن قالب جديد.
افتح آخر محادثة أجريتها مع نموذج لغوي واسأل نفسك: هل أعطيته سياقاً كافياً عن من أنا ومن القارئ قبل الأمر؟ هل حدّدت بدقة ما لا أريده؟ هل طلبت أكثر من مهمة في رسالة واحدة؟ هل حدّدت شكل المُخرَج بتفاصيله؟
إذا أجبت بالنفي عن أيٍّ منها، فالتحسين يبدأ من هناك لا من البحث عن صيغة جديدة. كل سؤال أجبت عنه بوضوح خطوة نحو أن يفهمك النموذج.
الأدوات الذكية تتطور كل شهر والنماذج تزداد قدرة. لكن مهما بلغت قدرة النموذج يبقى عاجزاً عن قراءة ما لم تكتبه. من يفهم كيف يجعل النموذج يفهمه سيتكيّف مع أي تحديث. من يحفظ صيغة اليوم سيحتاج صيغة جديدة غداً.
آخر برومبت كتبته، هل بنيته على فهمك أنت للمهمة وسياقك الخاص، أم نسخته من شخص لا يعرف مشروعك ولا يفهم ما تريد؟
