لماذا لا تُنتج المنطقة العربية شركات تقنية عملاقة؟

في يناير 2020، أتمّت شركة Uber استحواذها على “كريم”، أبرز منصة نقل تشاركي في المنطقة العربية، بصفقة بلغت 3.1 مليار دولار. احتُفي بالصفقة عربياً بوصفها قصة نجاح. لكن السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي: لماذا كان مصير أنجح شركة تقنية عربية أن تُباع لمنافس أجنبي بدلاً من أن تكبر لتصبح هي المنافس؟

وقبلها بعامين فقط ، ابتلعت Amazon شركة “سوق.كوم”، أكبر منصة تجارة إلكترونية عربية، بصفقة قُدّرت بنحو 580 مليون دولار. وفي 2022، أُدرجت “أنغامي” في بورصة ناسداك بوصفها أول شركة تقنية عربية تبلغ هذا المستوى، ثم واجهت اضطرابات مالية وتشغيلية كشفت هشاشة النموذج. النمط يتكرر: الشركات التقنية العربية تنمو إلى حدّ معيّن، ثم إما أن تُباع أو تتعثر أو تبقى محلية الحجم.

أكثر من 400 مليون إنسان. اقتصادات تتجاوز ثرواتها تريليونات الدولارات. ولا شركة تقنية واحدة بحجم عالمي. الإجابة أعقد بكثير من السردية المألوفة عن نقص التمويل أو غياب المواهب.

لماذا لا يشكّل العالم العربي سوقًا موحدًا للشركات التقنية؟

التفسير الأول الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن غياب عمالقة التقنية العرب هو صغر السوق. لكن هذا التفسير لا يصمد أمام الأرقام. المنطقة العربية تضم أكثر من 400 مليون نسمة وتتشارك لغة واحدة. حجم ديمغرافي يقارب سوق الولايات المتحدة وكندا مجتمعتين، ويتجاوز سكان الاتحاد الأوروبي.

المشكلة ليست حجم السوق. المشكلة أنه ليس سوقاً واحداً.

خلف الخريطة اللغوية المشتركة، تتخندق عشرون دولة بأنظمة تجارية مختلفة وقوانين استثمار متباينة وعملات متعددة وأنظمة دفع غير متكاملة. شركة ناشئة في الرياض تريد التوسع إلى القاهرة تحتاج إلى تأسيس كيان قانوني جديد، والتعامل مع نظام مصرفي مختلف، والحصول على تراخيص منفصلة، والتكيّف مع بيئة تنظيمية لا تشبه بيئتها الأصلية. وهذا قبل الحديث عن قيود تحويل العملات بين بعض الدول العربية، وتعقيدات التأشيرات التي تُعيق حتى انتقال الموظفين.

للمقارنة: شركة في إستونيا تستطيع التوسع إلى 26 دولة أوروبية بالكيان القانوني ذاته، والعملة ذاتها، والإطار التنظيمي ذاته. السوق الأوروبي الموحّد لم ينشأ صدفة، بل بُني عبر عقود من التفاوض والتشريع والتنسيق المؤسسي. المنطقة العربية لم تخض هذا المسار في الفضاء الرقمي بعد.

هذا التفتت لا يرفع تكاليف التشغيل فحسب، بل يُقيّد حجم السوق القابل للوصول فعلياً. حين يُقيّم مستثمر رأس المال الجريء شركة ناشئة، يسأل أولاً: كم حجم السوق الذي تستطيع الوصول إليه؟ حين تكون الإجابة “السعودية فقط” أو “مصر فقط”، ينكمش التقييم مباشرة مقارنة بشركة هندية تخاطب أكثر من مليار نسمة في سوق واحد موحد تنظيمياً ولغوياً إلى حد كبير.

مليارات تتدفق لكنها لا تُنتج عمالقة

بين 2021 و2022، شهدت المنطقة العربية طفرة استثمارية غير مسبوقة. وفق بيانات منصة MAGNiTT المتخصصة في تتبع الاستثمارات التقنية، تجاوز إجمالي التمويل في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثلاثة مليارات دولار في 2022 وحده. صناديق سيادية خليجية ضخّت أموالاً ضخمة: صندوق الاستثمارات العامة السعودي استثمر مليارات في قطاعات التقنية والألعاب عالمياً، وصندوق مبادلة الإماراتي بنى محفظة تقنية متنوعة تشمل استثمارات في شركات مثل Waymo وغيرها.

المال إذن لم يكن غائباً. لكنه لم يُنتج شركة عملاقة واحدة. لماذا؟

ما ينقص ليس حجم الاستثمار الأولي، بل عمق المنظومة الاستثمارية وتكاملها. الشركة التقنية تحتاج إلى تمويل متدرج عبر مراحل: بذرة، ثم جولة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، فجولات متأخرة قبل الطرح العام. في وادي السيليكون، هذه السلسلة مكتملة ومتخصصة في كل حلقة. أما في المنطقة العربية، فيتوفر تمويل المراحل المبكرة بشكل معقول، لكن جولات التمويل المتأخرة (Series C وما بعدها) شبه غائبة محلياً. حين تصل الشركة العربية إلى هذه المرحلة، تجد نفسها أمام خيارين: إما البحث عن مستثمرين أجانب بشروطهم، أو البيع.

هذا بالضبط ما حدث مع كريم. الشركة كانت تحتاج إلى مليارات إضافية للتوسع والمنافسة. السوق المحلي لم يكن قادراً على توفيرها بالسرعة والحجم المطلوبين. الاستحواذ لم يكن فشلاً بالمعنى التقليدي، لكنه كشف سقفاً بنيوياً لا تتجاوزه الشركات العربية بسهولة.

والوضع تفاقم لاحقاً. في 2023، تراجع حجم التمويل بنسبة تجاوزت 40% مقارنة بذروة 2022، وفق تقارير MAGNiTT. هذا التراجع يعكس جزئياً الانكماش العالمي في رأس المال الجريء، لكنه يكشف أيضاً هشاشة المنظومة المحلية حين تجفّ السيولة العالمية. الأموال التي تتدفق في أوقات الرخاء تتبخر بالسرعة ذاتها حين تضيق السوق العالمية.

البنية التحتية المستأجرة: حين لا تملك الأرض التي تبني عليها

لكن هذا ليس السؤال الحقيقي.

السؤال الأعمق يتعلق بالبنية التحتية الرقمية ذاتها. الشركات التقنية العملاقة لا تنمو في فراغ. تحتاج إلى بنية تحتية سحابية، وأنظمة دفع رقمية، ومنصات توزيع تطبيقات، ومحركات بحث، وشبكات إعلانية. في المنطقة العربية، كل هذه الطبقات تسيطر عليها شركات أجنبية: Amazon Web Services وMicrosoft Azure للحوسبة السحابية، Apple وGoogle لمتاجر التطبيقات، Google وMeta للإعلانات الرقمية.

هذا يعني أن أي شركة تقنية عربية تبني أعمالها على أرض لا تملكها. تدفع إيجاراً لخوادم أجنبية، وعمولات لمتاجر تطبيقات أجنبية، وتعتمد على خوارزميات توصية أجنبية لتصل إلى عملائها. حين تُقرر إحدى هذه الشركات المهيمنة تغيير سياساتها أو رسومها أو خوارزمياتها، تجد الشركة العربية نفسها تحت رحمة قرار اتُّخذ في سياتل أو كوبرتينو. ليس لديها خيار آخر.

الصين أدركت هذا مبكراً. واجهت التحدي بقرار سيادي صريح: بنت بنيتها التحتية الرقمية الخاصة. Alibaba Cloud بديلاً عن AWS، وWeChat Pay وAlipay بديلاً عن أنظمة الدفع الغربية، وBaidu بديلاً عن Google. لم يكن الدافع تقنياً فحسب بل جيوسياسياً: من لا يملك بنيته التحتية الرقمية لا يملك سيادته الاقتصادية. وفق تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، فإن هيمنة الولايات المتحدة والصين على البنية التحتية الرقمية العالمية تُعيد إنتاج أنماط التبعية الاقتصادية التقليدية في الفضاء الرقمي.

المنطقة العربية بدأت تتحرك، وإن بخطوات متفاوتة. السعودية تستثمر في بنية سحابية محلية عبر شراكات ومبادرات وطنية. الإمارات تستقطب مراكز بيانات عالمية على أراضيها. لكن الفارق بين استضافة مركز بيانات أجنبي على أرضك وبين بناء بنية تحتية سحابية سيادية تملكها وتتحكم فيها، هذا الفارق يظل واسعاً. واسعاً جداً.

معادلة المواهب: استقطاب بلا جذور

المواهب التقنية العربية موجودة وبأعداد ليست قليلة. مهندسون ومطورون ورواد أعمال عرب يعملون في أكبر شركات التقنية العالمية من وادي السيليكون إلى لندن إلى بنغالور. المشكلة ليست في وجود المواهب، بل في قدرة المنظومة المحلية على استبقائها.

مهندس برمجيات مصري أو أردني يتخرج بكفاءة عالية يجد أمامه خيارين متباينين: راتب متواضع في شركة ناشئة محلية تعمل في سوق مفتت وبيئة تنظيمية غامضة، أو راتب مضاعف عدة مرات في شركة عالمية توفر له بيئة عمل مستقرة ومساراً مهنياً واضحاً وإقامة في بلد يمنحه خيارات أوسع. الخيار العقلاني واضح. بل مؤلم الوضوح.

دول الخليج حاولت معالجة هذا عبر برامج استقطاب طموحة. الإمارات أطلقت تأشيرات إقامة طويلة الأمد لرواد الأعمال والمتخصصين. السعودية وفّرت حوافز ضريبية وبيئة أعمال مبسّطة في مناطق اقتصادية خاصة. هذه خطوات جوهرية، لكنها تُعالج جانباً واحداً من المعادلة. فالمواهب لا تحتاج فقط إلى رواتب ومزايا، بل إلى منظومة متكاملة: جامعات بحثية تُنتج معرفة أصيلة، ومجتمعات تقنية نابضة تتبادل الأفكار، وثقافة تقبل الفشل بوصفه جزءاً من الابتكار لا وصمة اجتماعية.

هذه البيئة لا تُبنى بقرار حكومي وحده. تحتاج إلى وقت وتراكم وتجربة وخطأ. وادي السيليكون لم ينشأ بمرسوم، بل تبلور عبر عقود من التفاعل بين جامعة ستانفورد والجيش الأمريكي وشركات أشباه الموصلات وموجات متتالية من المهاجرين. أي محاولة لتكرار هذا النموذج بقرار فوقي ستُنتج واجهة لا جوهراً. واجهة لامعة ربما، لكنها تبقى واجهة.

المنافسة في ملعب مائل: حين يدخل العمالقة

حتى لو ذُلّلت كل العوائق السابقة، تبقى مسألة أساسية: شركة تقنية عربية ناشئة لا تنافس في ملعب مستوٍ.

الشركات العالمية الكبرى تدخل السوق العربي بموارد مالية وتقنية وبشرية لا تُقارن. حين دخلت Amazon السوق العربي عبر استحواذها على سوق.كوم، لم تكتفِ بشراء منصة تجارة إلكترونية، بل اشترت حصة سوقية وقاعدة عملاء في منطقة نمو واعدة. أي شركة عربية تحاول منافسة Amazon بعد ذلك تواجه عملاقاً يملك سلسلة إمداد عالمية وبنية سحابية خاصة وقدرة على تحمّل خسائر لسنوات من أجل الاستحواذ على السوق.

“نون” حاولت بناء بديل إقليمي. أُسست عام 2016 برأس مال إماراتي سعودي ضخم، وصُمّمت منذ البداية لتكون منافساً عربياً لأمازون. حققت حضوراً لافتاً في الإمارات والسعودية ومصر، لكنها لا تزال تخوض معركة استنزاف طويلة. الفارق في القدرات اللوجستية والتقنية والمالية بينها وبين Amazon يظل شاسعاً، رغم كل الاستثمارات. المعركة مستمرة، لكن ميزان القوى واضح.

النمط ذاته يتكرر في قطاعات أخرى. Netflix وShahid تتنافسان في البث الرقمي، لكن الأولى تملك ميزانية محتوى تفوق ميزانية الثانية بعشرات المرات. Uber بعد استحواذها على كريم باتت اللاعب المهيمن في النقل التشاركي. في كل قطاع، السيناريو متشابه: شركة عربية واعدة تصل إلى مستوى معين ثم تصطدم بسقف المنافسة غير المتكافئة.

هل يعني هذا أن المنافسة مستحيلة؟ ليس بالضرورة. لكنها تستلزم إما حماية ذكية للسوق المحلي، أو بناء ميزة تنافسية لا يستطيع العمالقة استنساخها بسهولة. الحماية الذكية لا تعني إغلاق السوق على غرار النموذج الصيني، بل قد تعني منح الشركات المحلية أفضلية في العقود الحكومية، أو فرض متطلبات توطين البيانات، أو دعم البنية التحتية الرقمية المحلية. كلا الخيارين يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز منطق ردّ الفعل.

جنوب شرق آسيا قدّمت نموذجاً يستحق التأمل. Grab وGojek نشأتا في سوق مفتت لغوياً وتنظيمياً يشبه السوق العربي إلى حد بعيد: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند والفلبين. لكنهما نجحتا في بناء شركات عملاقة إقليمية. الفارق؟ تكامل أسرع بين الأسواق، ودعم حكومي استراتيجي، وتركيز على حلول محلية لا يستطيع المنافس الأجنبي تقديمها بالكفاءة ذاتها. ربما في هذا النموذج درس ما.

الشركات التقنية العربية: غياب المشروع لا غياب الأدوات

ما يتكشّف من هذا التحليل أن المنطقة العربية لا تفتقر إلى المال أو المواهب أو حتى الطموح. تفتقر إلى مشروع اقتصادي رقمي مشترك يُحوّل 400 مليون مستهلك من سوق مفتّت إلى كتلة اقتصادية رقمية متكاملة.

السوق الأوروبي الموحّد استغرق بناؤه عقوداً. لكنه بدأ بخطوة أولى: الاعتراف بأن التفتت مشكلة بنيوية لا تُعالج بمبادرات فردية. المنطقة العربية لم تصل بعد إلى هذا الإقرار الجماعي في الفضاء الرقمي، رغم أن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى كانت خطوة في هذا الاتجاه على صعيد التجارة التقليدية.

التكامل الاقتصادي الرقمي العربي ليس ترفاً أو شعاراً يُرفع في القمم ثم يُنسى. هو شرط بنيوي لنشوء شركات تقنية عربية قادرة على المنافسة عالمياً. بدونه، ستظل المنطقة تُنتج شركات ناشئة واعدة تكبر إلى حدّ معيّن ثم تُباع أو تتعثر، في دورة تتكرر كل بضع سنوات.

الأمر لا يتعلق بالتقنية. التقنية متاحة والمال موجود والمواهب حاضرة. يتعلق بالسؤال الأقدم والأصعب: هل تملك المنطقة العربية الإرادة السياسية لبناء فضاء اقتصادي رقمي مشترك، أم أن التنافس بين عواصمها سيظل أقوى من حاجتها إلى التكامل؟

ربما المشكلة ليست في الشركات الناشئة العربية، بل في غياب مشروع اقتصادي إقليمي حقيقي يجعل من 400 مليون عربي سوقًا واحدًا فعليًا لا مجرد رقم ديمغرافي على الورق.