لا قانون هنا: كيف تحكم شركات التقنية خارج سلطة الدولة ؟

باحث في القاهرة توقّف بحثه. صاحب متجر في بيروت فقد صلته بزبائنه. مراسل في عمّان انقطع بثّه المباشر. هذا ليس مشهدًا من فيلم هوليوودي. بل هو بالضبط ما حدث في السادس من أكتوبر سنة 2021، حين اختفت Meta من الوجود الرقمي لعدة ساعات. فلا قرار حكومي سبق الأمر، ولا محكمة عقدت جلسة، ولا هيئة دولية أصدرت أمرًا. خلل داخلي في شركة واحدة أسكت ما يُقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار مستخدم حول العالم، وفق ما أكدته الشركة نفسها لاحقًا.

لم يُحاسَب أحد. ليس لأن ما جرى كان مقبولًا، بل لأن الأطر القانونية القائمة، وهي في معظمها وطنية ومجزأة، لا تملك أدوات إلزام فعّالة تتجاوز الحدود الجغرافية لتُساءل شركة مقرّها في كاليفورنيا عن ضرر لحق بمستخدم في عمّان أو القاهرة.

ليست المشكلة غياب القانون بالمطلق. بل غياب إطار عابر للحدود، فعّال، وقابل للإنفاذ.

هذه ليست لحظة استثنائية. هي لحظة كاشفة لبنية باتت مستقرة: شركات التقنية وسلطة الدولة لم تعودا تتقاسمان الفضاء ذاته. الشركات تعمل في المساحة التي عجز فيها التشريع الوطني عن اللحاق بالتحول الرقمي العابر للحدود، وتُرسّخ نفوذها بالضبط في الثغرات التي يتركها هذا العجز.

والمنطقة العربية، حيث يعيش أكثر من مئتي مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي وفق تقديرات DataReportal لعام 2024، تدفع ثمن هذا الفراغ كل يوم. تستهلك منصات لم تُصمَّم لسياقها، وتخضع لسياسات لم تُشارك في صياغتها.

سلطة لا تطلب إذنًا

في تعريفها التقليدي، تحتاج السلطة إلى إكراه مباشر: جيش، شرطة، سجون. ما طوّرته شركات التقنية مختلف جوهريًا. سلطتها لا تعمل بموافقة المحكوم. بل بحماسه أحيانًا.

نفقرة واحدة على “أوافق على الشروط والأحكام” تُفوّض جزءًا من سيادتك الشخصية لجهة لا تعرف أين يقع مقرها القانوني الحقيقي. لا تعرف أي قانون يحكمها فعلًا. ولا أي محكمة يمكنك طرق بابها إن أُسيء استخدام بياناتك.

الفارق جوهري وليس شكليًا. فالدولة حين تُصدر قانونًا تنشره في جريدة رسمية وتتيح الطعن فيه. الشركة حين تُعدّل سياسة الخصوصية ترسل إشعارًا بالبريد الإلكتروني يعلم الجميع أن لا أحد سيقرأه. ومع ذلك يُعدّ التمرير السريع موافقة ملزمة.

ما يُعاد تشكيله هنا ليس العلاقة بين الشركة والمستخدم. ما يُعاد تشكيله هو مفهوم الموافقة ذاته.

أربع سلطات، أربع شركات، نمط واحد

أخطر ما تُراكمه شركات التقنية ليس المال. بل الصلاحيات. وكل نوع من الشركات يُمارس نوعًا مختلفًا من السلطة.

Meta: التحكم في الخطاب والوجود الرقمي.

ما تعرضه المنصة ليس مرآة للعالم. هو نتاج قرار خوارزمي يُحدّد ما يصل إلى وعيك وما يُحجب عنه. هذه الصلاحية شغلتها تاريخيًا مؤسسات خاضعة للرقابة العامة. اليوم تُمارَس من مكتب في كاليفورنيا بمعايير مغلقة لا يطّلع عليها أحد خارج الشركة.

والأثر على المحتوى العربي تحديدًا موثّق ومقلق. تقرير مؤسسة 7amleh لعام 2023 رصد مئات الحالات التي حُذف فيها محتوى فلسطيني أو قُيّد انتشاره على منصات Meta بشكل ممنهج، فيما أظهرت تحقيقات مستقلة أن أنظمة الإشراف الآلي على المحتوى العربي تعمل بموارد لغوية وبشرية أقل بكثير من نظيراتها الإنجليزية. النتيجة: محتوى يُحذف لا لأنه يخالف القواعد، بل لأن الخوارزمية لا تفهمه.

Apple وGoogle: التحكم في البوابة السوقية.

متجرا التطبيقات هما البوّابة الوحيدة فعليًا للوصول إلى المستخدم. حين تُقرر إحداهما إزالة تطبيق أو حظر خدمة في سوق ما، لا تُنفّذ قرارًا قضائيًا. تفرض سياسة احتكارية بقوة الموقع. المطور الذي يُرفض تطبيقه لا يستأنف أمام محكمة. يستأنف أمام الشركة نفسها.

شركات المدفوعات الرقمية: التحكم في التدفقات المالية.

حين تُجمّد PayPal أو Stripe حساب تاجر أو جمعية خيرية، تُمارس ما يُشبه حصارًا اقتصاديًا مصغّرًا. الفارق أن الحصار الاقتصادي التقليدي يخضع لقانون دولي وتوازنات دبلوماسية. قرار الشركة لا يخضع لشيء سوى سياساتها الداخلية.

شركات الحوسبة السحابية: التحكم في البنية التحتية.

Amazon Web Services وMicrosoft Azure وGoogle Cloud تُشغّل النسبة الأكبر من البنية التحتية الرقمية العالمية. حين تُقرر إحداها إيقاف خدماتها عن عميل ما، لا تُسقط موقعًا فحسب. تُسقط بنية أعمال كاملة. وهذا ما حدث فعلًا حين أوقفت AWS خدماتها عن منصة Parler عام 2021، مُزيحةً إياها من الفضاء الرقمي بقرار تجاري لا قضائي.

ومسألة تحمّل المسؤولية القانونية حين تُخطئ الخوارزمية أو تُسيء الشركة استخدام موقعها ليست سؤالًا نظريًا، بل معضلة تتشابك فيها مسؤولية الوسيط وحدود الاختصاص القضائي المحلي والعابر للحدود.

الفراغ ليس حادثًا بل منتج

الرواية المريحة تصوّر المشهد هكذا: شركات سريعة وقانون بطيء. في هذه الرواية، الفراغ التنظيمي نتيجة عفوية لتفاوت في السرعة.

فالواقع يستحق نظرة أقرب.

وفق لتقارير OpenSecrets, أنفقت شركات التقنية والإنترنت الأمريكية ما يزيد عن 70 مليون دولار على أنشطة الضغط في واشنطن خلال عام 2023 وحده. وفي بروكسل، تصدّرت Google وMeta وApple قوائم أكبر المنفقين على اللوبي الموجّه لمؤسسات الاتحاد الأوروبي وفق سجل الشفافية الأوروبي. هذه الأموال لا تُنفق لمنع التشريع فحسب، بل لصياغته بالشكل الذي يُبقي المساحة الرمادية قائمة.

المفارقة واضحة: الشركات نفسها تلجأ إلى القانون حين تُسرق ملكيتها الفكرية أو يُخترق أمنها السيبراني. لكنها تُقاوم خضوعها للمساءلة حين يتعلق الأمر بالضرر الذي يقع على المستخدم.

هذا ليس تناقضًا. هو هندسة.

أوروبا تكسر القاعدة جزئيًا

المحاولة الأكثر جرأة لتقييد نفوذ شركات التقنية جاءت من أوروبا. قانونا الأسواق الرقمية (DMA) والخدمات الرقمية (DSA) اللذان اعتمدهما الاتحاد الأوروبي يُمثلان أول منظومة تنظيمية شاملة تُحاول وضع حدود حقيقية لسلوك المنصات الكبرى، مع آليات تنفيذ تشمل غرامات تصل إلى 10% من الإيرادات العالمية للشركة المخالفة.

غرامة 1.2 مليار يورو التي فرضتها المفوضية الأوروبية على Meta في مايو 2023 بسبب نقل بيانات المستخدمين الأوروبيين إلى خوادم أمريكية دون حماية كافية كانت الأكبر من نوعها بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR. لكن حين تُقاس بإيرادات Meta الفصلية التي تجاوزت 32 مليار دولار في الربع الذي تلا الغرامة، تتحوّل إلى ما يُشبه تذكرة مخالفة مرورية. تدفعها الشركة وتُكمل.

ما يستحق الانتباه ليس حجم الغرامة. بل أن النموذج الأوروبي أثبت مبدأ: التنظيم ممكن. الشركات تمتثل حين تواجه سوقًا لا تستطيع تجاهلها وإرادة سياسية لا تتراجع.

الولايات المتحدة تتحرك ببطء أكبر. دعاوى مكافحة الاحتكار ضد Google وMeta وAmazon وApple تشقّ طريقها في المحاكم، لكن النتائج لم تتبلور بعد. الصين سلكت مسارًا مغايرًا: لا تُقيّد الشركات الغربية فحسب، بل تبني بدائل محلية تُخضعها مباشرة لسلطة الحزب. نموذج مختلف من الإشكاليات، لكنه يحسم سؤال السيادة بوضوح.

في المنطقة العربية: سوق بحجم أوروبا وثقل تفاوضي قريب من الصفر

أكثر من مئتي مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية. سوق إعلانات رقمية تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا وفق تقارير متعددة. ومع ذلك، لا ثقل تفاوضي يُمارَس.

فبيانات المستخدم العربي تُخزَّن خارج المنطقة في الغالب. لا توجد سياسة توطين بيانات ملزمة في معظم الدول العربية. تُعالَج هذه البيانات وفق قوانين لم يُشارك في صياغتها أحد من المنطقة، وتُستثمَر لصالح نماذج إعلانية عائداتها الضريبية الأساسية لا تعود إلى الاقتصادات العربية. كل هذا يحدث بموافقة يومية صامتة.

ومن يتحكم فعلًا في هذه البيانات يملك القرار والفرصة والحضور في الاقتصاد الرقمي، لا من أنتجها.

الإمارات أصدرت قانونًا اتحاديًا لحماية البيانات الشخصية عام 2021. السعودية أقرّت نظام حماية البيانات الشخصية عام 2022. هذه خطوات حقيقية. لكن الفارق بين النص والأثر لا يزال واسعًا. التشريع دون آليات تنفيذ صارمة وغرامات رادعة ومحاكم متخصصة يبقى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى أداة سيادة.

والأخطر من ضعف التشريع المحلي هو الغياب شبه التام عن طاولات صياغة القواعد الدولية.

ثلاث ثغرات يمكن دخولها

تشريع محلي بآليات تنفيذ حقيقية.

ليس المطلوب مزيدًا من القوانين. المطلوب قوانين تُنفَّذ. هذا يعني: هيئات رقابية مستقلة بصلاحيات تحقيق، وغرامات تُقاس كنسبة من الإيرادات لا كمبالغ ثابتة، ومحاكم متخصصة في النزاعات الرقمية تملك الخبرة التقنية والقانونية معًا. النموذج الأوروبي ليس مثاليًا، لكنه يُقدّم خريطة طريق واقعية.

تنسيق إقليمي يُنتج ورقة ضغط.

المسار الأكثر واقعية في المدى المتوسط هو إطار خليجي مشترك لحوكمة الفضاء الرقمي، يمكن أن ينطلق من مجلس التعاون ثم يتوسّع عربيًا. الاتحاد الأوروبي لم يصل إلى GDPR بخطوة واحدة. بدأ بتوجيهات أبسط ثم بنى عليها. المهم أن يبدأ التنسيق بجدول زمني لا بخطابات.

السوق العربية مجتمعةً تُقارب السوق الأوروبية في عدد مستخدمي الإنترنت. هذا الحجم يمنح المنطقة ثقلًا تفاوضيًا لا تستطيع أي شركة تجاهله إذا تحوّل إلى موقف موحّد.

حضور فاعل في غرف صياغة المعايير الدولية.

هيئات مثل الاتحاد الدولي للاتصالات وISO وIEEE تضع الآن المعايير التقنية التي ستحكم الفضاء الرقمي لعقود. الحضور لا يتحقق بمقعد رمزي في اجتماع سنوي. يتحقق بتمويل خبراء متخصصين، وإنشاء مكاتب تمثيل دائمة، وبناء تحالفات تصويتية مع دول الجنوب العالمي التي تُشارك الهم ذاته. بعض الدول الصغيرة كسنغافورة وإستونيا حققت حضورًا يفوق حجمها بكثير في هذه الهيئات لأنها عاملت المعايير التقنية كملف سيادة لا كشأن فني.

حين سُئل أحد مسؤولي الشركات الكبرى عن تأثير منصاته على الانتخابات، أجاب بأن الشركة توفر أدوات والمسؤولية تقع على المستخدم. الجواب نفسه يُعطى لمن يسأل عن الخصوصية. عن التضليل. عن الاحتكار.

الأداة دائمًا بريئة. والمسؤولية دائمًا في مكان آخر.

أُتقنت هذه الصيغة على مدى عقدين. وستبقى صالحة ما دام الإطار القانوني العابر للحدود غائبًا أو عاجزًا عن الإلزام. من يقرر متى تبدأ الحدود؟ ومن يدفع ثمن كل يوم تأخير؟ في المنطقة العربية، الإجابة عن السؤال الثاني واضحة. أكثر من مئتي مليون مستخدم يدفعون. الإجابة عن السؤال الأول لا تزال بلا صاحب.

خلاصة

تُرسّخ شركات التقنية الكبرى صلاحيات سيادية متنوعة، من التحكم في المعلومات والهوية الرقمية إلى التحكم في البوابات السوقية والتدفقات المالية والبنية التحتية السحابية، كل ذلك خارج إطار ديمقراطي يُتيح المساءلة الفعلية. هذا النفوذ لم ينشأ من فراغ عفوي بل أُنتج وحُمي باستثمار ممنهج في إبقاء التشريع عاجزًا عن اللحاق. النموذج الأوروبي بقانونيّ DMA وDSA يُثبت أن فرض القواعد ممكن متى توفّرت الإرادة السياسية ووزن السوق. ومنطقتناالعربية بأكثر من مئتي مليون مستخدم تملك هذا الوزن لكنها لا توظفه بعد، وتحتاج إلى تشريعات بأدوات إنفاذ حقيقية وتنسيق إقليمي فاعل وحضور مؤثر في هيئات المعايير الدولية، قبل أن تُكتب القواعد نهائيًا من دونها.برأيك هل سوف نلحق بالركب؟