في يناير 2024، تضررت أربع كابلات بحرية في البحر الأحمر , و خلال أسابيع قليلة. تأثرت بشكل ملموس حركة البيانات بين أوروبا وآسيا ، واضطرت شركات نقل البيانات إلى إعادة توجيه اتصالاتها عبر مسارات بديلة أطول وأبطأ. لم يكن انقطاعًا كاملًا. لكنه كان كافيًا لتذكير العالم بشيء يتجاهله معظم الوقت: الإنترنت الذي يبدو لاسلكيًا وسحابيًا يمر في حقيقته عبر أسلاك مادية في أعماق البحار، يمكن قطعها بمرساة ساقطة أو قرار سياسي.
ما لفت الانتباه ليس الحادثة نفسها. بل ردود الفعل عليها. لم تكن هناك آلية دولية تتحرك، ولا جهة مسؤولة واضحة، ولا إطار قانوني يُحدد من يتحمل تكلفة الإصلاح ومن يتحمل تبعات الانقطاع. كل طرف تصرف منفردًا وفق قدرته. وهذا وحده يكشف حجم الفراغ التنظيمي الذي يحيط بهذه البنية التحتية البالغة الأهمية.
فكابلات الإنترنت البحرية ليست بنية تحتية عادية. هي العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، وساحة نفوذ جديدة لم تستوعب المنطقة العربية بعد ثقلها الجيوسياسي الحقيقي.
شبكة تحت الماء لا يراها أحد
وفق ما تُقدّره مؤسسات متخصصة في رصد البنية التحتية للإنترنت كـTeleGeography، تمر قرابة 95% من حركة البيانات الدولية عبر كابلات بحرية ممدودة في أعماق المحيطات. الأقمار الصناعية تؤدي دورًا، لكنه ثانوي في الحجم الكلي.
وهذه الكابلات ليست ملكًا للدول في معظمها. شركات مثل Google وMeta وAmazon وMicrosoft باتت تمول وتمتلك حصصًا في كابلات مخصصة كليًا لتدفق بياناتها الخاصة، وهو ما وثّقته تقارير متعددة من بينها تقارير TeleGeography المتخصصة في رصد شبكات الاتصالات الدولية.
هذا التحول ليس تفصيلًا تقنيًا. هو إعادة رسم لخريطة النفوذ الرقمي.
فقبل عقد من الزمن كانت الكابلات البحرية تموّلها تحالفات من شركات الاتصالات الوطنية وتستخدمها جماعيًا. وكانت مشاريع مشتركة بطبيعتها: تحتاج رأس مال ضخمًا وخبرة تقنية متخصصة وتعاونًا بين دول متعددة.
أما اليوم فشركة واحدة قادرة على مد كابل خاص بين قارتين وتحديد من يستخدمه وبأي شروط. و الفرق بين من يمتلك الكابل ومن يستأجر السعة عليه هو الفرق بين من يضع القواعد ومن يتبعها. وهذا الفارق يتسع كل عام مع كل كابل جديد تمده شركة خاصة بدل تحالف وطني.
ما يعنيه هذا عمليًا أن الدول التي لا تمتلك حصصًا في هذه الكابلات باتت تعتمد اتصالاتها الدولية على بنية تحتية تسيطر عليها جهات لا تخضع لسيادتها. وهذا ليس استنتاجًا نظريًا. هو وصف دقيق للوضع الراهن في معظم الدول العربية.
درس التلغراف لم يُستوعب
في منتصف القرن التاسع عشر، مدّت بريطانيا شبكة كابلات تلغراف بحرية ربطت إمبراطوريتها من لندن إلى الهند والشرق الأوسط وأفريقيا. لم تكن مجرد أسلاك للرسائل. كانت أدوات سيطرة: من يملك الكابل يحدد من يرسل ماذا ومتى، ومن يقع خارج الشبكة يقع خارج الإيقاع.
الدول التي لم تكن على هذه الشبكة لم تكن فقط أبطأ في تلقي الأخبار. كانت أضعف في اتخاذ القرار لأن المعلومة وصلت إليها متأخرة أو منقوصة أو مصفّاة. وهذا بالضبط ما أدركته القوى الاستعمارية حين استثمرت في هذه الشبكة: السيطرة على البنية التحتية للاتصال سيطرة على الفاعلية السياسية.
النمط نفسه يتكرر اليوم بأسلاك أدق وبيانات أثقل. السرعة التي كانت تُقاس بأيام لإيصال برقية باتت تُقاس بميلي ثوانٍ لإتمام معاملة مالية. المبدأ واحد: من يملك البنية التحتية يملك الإيقاع، ومن يفتقر إليها يعيش على هامش القرار.
المنطقة العربية مرّت بهذا النمط مرة. ولم تستخلص منه ما يكفي. واليوم يتكرر النمط بأدوات مختلفة وفاعلين جدد، أبرزهم طرفان لا يتركان مساحة كبيرة لمن يقف في المنتصف.
الصراع الأمريكي الصيني تحت الماء
لا يجري هذا الصراع في البرلمانات ولا في قاعات الأمم المتحدة. يجري في قاع المحيط.
الولايات المتحدة منعت مرات عدة شركات صينية، أبرزها HMN Technologies المرتبطة بمجموعة Huawei، من المشاركة في مشاريع كابلات بحرية تربط دولًا حليفة. المبرر الرسمي أمني: الخشية من أن وصولًا صينيًا إلى هذه الكابلات يُتيح رصد ما يمر عبرها أو تعطيله في لحظة حرجة.
أما المبرر الاستراتيجي فأوضح من أن يحتاج تفسيرًا: من يمد الكابل يملك القدرة على إيقافه.
الصين بدورها ضخّت استثمارات في كابلات تربط آسيا بأفريقيا وبأجزاء من أوروبا عبر مسارات لا تمر بنقاط الاختناق التقليدية. الهدف بناء شبكة موازية لا تعتمد على البنية الغربية ولا تخضع لقواعدها.
وهذا التنافس لا يدور بين دولتين فحسب. يُعيد رسم خريطة الاتصالات العالمية بأكملها، ويضع كل دولة أمام سؤال لا تملك ترف تجاهله: في أي شبكة ستكون؟
بين هذين القطبين تقف دول كثيرة بلا خيار صافٍ. وكثير منها في المنطقة العربية.
في قلب الشبكة وخارج القرار
جغرافيًا، المنطقة العربية تقع في موقع نادر. البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس ومضيق هرمز نقاط عبور لعشرات الكابلات التي تربط أوروبا بآسيا. كل اتصال بين لندن وسنغافورة أو بين باريس وطوكيو يمر في الغالب عبر مياه تُشرف عليها دول عربية أو قريبة منها.
هذا يعني نظريًا أن المنطقة تملك ورقة ضغط هيكلية حقيقية. الواقع يكشف شيئًا آخر.
الدول العربية في معظمها مستهلكة لخدمات هذه الكابلات لا شريكة في ملكيتها. قرارات مسار الكابل الجديد وأين تقع محطات الإنزال البرية ومن يملك حق الوصول تُتخذ في مكاتب شركات تقنية أمريكية أو في اجتماعات تحالفات لا تُدعى إليها المنطقة بشكل فعّال.
وحين تضررت الكابلات في البحر الأحمر مطلع 2024، اكتشفت دول المنطقة أن بنية تحتية حيوية تمر في مياهها لا تخضع لسيادتها الفعلية.
استثناءات موجودة. مصر تملك موقعًا استثنائيًا: كل كابل يريد العبور من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط يحتاج أراضيها. هذا رصيد جيوسياسي حقيقي. لكنه يُدار حتى الآن كبنية تجارية لا كأداة نفوذ مقصودة.
والفارق بين الاثنين ليس في الجغرافيا بل في القرار.
الإمارات والسعودية تسيران في اتجاه مختلف. كلتاهما تستثمران في محطات إنزال وبنية تحتية رقمية بهدف تحويل أراضيهما إلى مراكز عبور إقليمية. هذا مسار صحيح. لكن المسافة بين مركز عبور تجاري وسيادة رقمية حقيقية لا تُقطع بالاستثمار وحده. تحتاج إطارًا تشريعيًا ينظّم حقوق الوصول وتمثيلًا في الهيئات الدولية التي تضع معايير هذا القطاع.
الهشاشة التي لا يراها أحد
ما يجعل هذه البنية التحتية مختلفة هو هشاشتها المفارقة لأهميتها. كابلات يمر عبرها الاقتصاد الرقمي لدول بأكملها تمتد في أعماق المحيط بسماكة لا تكبر كثيرًا عن خرطوم الماء.
تتضرر بمرساة سفينة، بزلزال تحت مائي، بعملية متعمدة يصعب إثباتها وأصعب نسبها لجهة بعينها.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تُجرّم قطع الكابلات البحرية لكنها لا تُنشئ آلية تنفيذ حقيقية. ولا يوجد حتى الآن معاهدة دولية خاصة بحماية الكابلات البحرية وتحديد المسؤوليات عند تضررها. الفراغ القانوني في هذا الملف لا يقل خطورة عن الهشاشة التقنية.
البنية التحتية الرقمية للمنطقة العربية تفتقر في مواجهة هذه المعادلة إلى ثلاثة أشياء: تنوع كافٍ في مسارات الكابلات البديلة حتى لا يُشكّل قطع كابل واحد أزمة، وسيادة فعلية على نقاط الإنزال بما يمنع استخدامها ورقة ضغط من الخارج، وتمثيل في المنتديات الدولية التي تضع معايير هذا القطاع.
لا يوجد حتى الآن ما يُغطي هذه الفجوات الثلاث معًا.
من يمد الكابل يطرح السؤال
الكابل ليس سلكًا محايدًا. تكلفة الاتصالات الدولية وسرعتها وموثوقيتها تحددها في جزء كبير القدرة على الوصول إلى كابلات بسعة كافية وبشروط تنافسية.
والدول التي تمتلك حصصًا في الكابلات أو تستضيف محطات إنزال رئيسية تتمتع بأسعار أفضل وهامش مناورة أوسع. الدول التي تستأجر السعة فقط تدفع ما يُحدده السوق وتقبل بالشروط المرفقة.
والشروط لا تقتصر على السعر. من يملك الكابل يملك القدرة على تحديد أولوية حركة البيانات، وعلى رصد ما يمر عبره إذا توفرت الإرادة والأدوات، وعلى تقليص الوصول في لحظة توتر سياسي. هذه ليست سيناريوهات افتراضية. الاستخبارات الأمريكية وثّقت لسنوات استخدامها للكابلات البحرية مصدرًا للمعلومات.
الاستهلاك الرقمي دون امتلاك البنية التي تحمله يُرسّخ تبعية مزدوجة: تبعية في المحتوى وتبعية في الوصول. والتبعية المزدوجة لا تُحل بشراء سعة أكبر.
القاع بعيد. لكن ما يُصاغ هناك يُشكّل ما تراه على الشاشة.
