في أكتوبر 2022، أعلنت إدارة بايدن عن قيود تصدير صارمة على الرقاقات المتقدمة إلى الصين. بعدها بشهرين، أطلقت الصين مركبة Chang’e 5 لجمع عينات من القمر. في نفس الفترة، كشفت OpenAI عن ChatGPT. ثلاثة أحداث تبدو منفصلة، لكنها في الواقع فصول من قصة واحدة.
الولايات المتحدة والصين لا تتنافسان على تقنية واحدة. تتنافسان على ثلاث تقنيات مترابطة بشكل عضوي: الفضاء، الذكاء الاصطناعي، والرقاقات. من يسيطر على هذه الثلاثية، يسيطر على الاقتصاد العالمي والقوة العسكرية وحتى البنية التحتية للمعلومات التي تحكم حياة المليارات.
هذا ليس سباقاً تقنياً فحسب. إنه صراع جيوسياسي على من سيملك القرن الحادي والعشرين.
الفضاء والذكاء الاصطناعي والرقاقات : لماذا الثلاثة معاً؟ حلقة لا تنفصم
يشبه هذا السباق الثلاثي إلى حد كبير سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. لكن الفارق الجوهري أن السباق الحالي لا يدور حول إنجاز رمزي مثل الوصول إلى القمر، بل حول السيطرة على البنية التحتية التكنولوجية التي سيعتمد عليها الاقتصاد العالمي بالكامل.
الرقاقات هي الأساس الذي يقوم عليه كل شيء. بدونها، لا يوجد ذكاء اصطناعي يستحق هذا الاسم ولا أقمار صناعية تعمل بكفاءة ولا صواريخ قادرة على اختراق الفضاء. كل نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يحتاج إلى آلاف الرقاقات عالية الأداء، خصوصاً وحدات المعالجة الرسومية من Nvidia. تدريب نموذج مثل GPT-4 يتطلب عشرات الآلاف من وحدات المعالجة الرسومية، بتكلفة قد تتجاوز 100 مليون دولار وفق تقديرات شركة SemiAnalysis وتقارير OpenAI.
الأقمار الصناعية تحتاج رقاقات متخصصة مصممة للعمل في ظروف قاسية. الإشعاع الكوني يمكن أن يُدمر الرقاقات العادية في ساعات. الحرارة تتراوح بين 150 درجة مئوية تحت الشمس المباشرة وسالب 150 في الظل. الرقاقات الفضائية يجب أن تتحمل هذا لسنوات دون صيانة. الصواريخ تعتمد على أنظمة تحكم دقيقة تشغّلها رقاقات معقدة قادرة على معالجة ملايين العمليات الحسابية في الثانية لضبط المسار والتوازن.
الذكاء الاصطناعي بدوره أصبح المحرك الذي يدفع التقدم في المجالين الآخرين. Nvidia تستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي لتصميم رقائقها الجديدة، في عملية تُسمى “التصميم بمساعدة الذكاء الاصطناعي”. النتيجة: رقاقات أسرع بنسبة 20-30% وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. الذكاء الاصطناعي يُستخدم أيضاً لتحليل البيانات الفضائية الهائلة. كل يوم، الأقمار الصناعية التجارية والعسكرية تلتقط ملايين الصور للأرض. تحليلها يدوياً مستحيل.
الفضاء هو المنصة التي تربط كل شيء. الأقمار الصناعية توفر البنية التحتية للاتصالات العالمية. Starlink من SpaceX يعتمد على أكثر من 6000 قمر صناعي في مدار أرضي منخفض لتوفير إنترنت عالي السرعة في كل مكان على الأرض، بما فيها المحيطات والصحاري والمناطق القطبية. أنظمة تحديد المواقع مثل GPS الأمريكي وBeiDou الصيني ضرورية للملاحة الجوية والبحرية والبرية، وحتى للهواتف الذكية.
مستقبلاً، معالجة البيانات قد تحدث في الفضاء نفسه. شركات ناشئة تعمل على بناء مراكز بيانات مدارية تعمل بالطاقة الشمسية، حيث البرودة الطبيعية للفضاء تُقلل تكاليف التبريد الهائلة، والطاقة الشمسية متاحة 24 ساعة يومياً دون انقطاع.
الرقاقات: المعركة الصامتة التي تُحدد كل شيء
الرقاقات لا تحظى بالانتباه الذي يحظى به الفضاء أو الذكاء الاصطناعي. لا توجد صور مبهرة لإطلاق صواريخ، ولا عروض تقديمية ساحرة لنماذج لغوية. مجرد قطع سيليكون صغيرة لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات. لكنها الأهم.
المشكلة الكبرى أن تصنيع الرقاقات المتقدمة يتركز في أيدٍ قليلة جداً. شركة واحدة، TSMC في تايوان، تُنتج وفق تقديرات الصناعة أكثر من 90% من الرقاقات الأكثر تقدماً في العالم، تلك المصنوعة بتقنية 5 نانومتر وأصغر. شركة واحدة، ASML في هولندا، تصنع الآلات الوحيدة القادرة على إنتاج هذه الرقاقات، وهي آلات الطباعة الحجرية فوق البنفسجية الفائقة. كل آلة تكلف أكثر من 150 مليون دولار وتتطلب سنوات لتصنيعها. شركة واحدة، Nvidia في الولايات المتحدة، تهيمن على رقاقات الذكاء الاصطناعي بحصة سوقية تتجاوز 80% وفق تقديرات المحللين.
الصين تعرف نقطة ضعفها بدقة. تستورد رقاقات أشباه الموصلات بقيمة تُقدر بأكثر من 400 مليار دولار سنوياً وفق بيانات الجمارك الصينية، أكثر من وارداتها من النفط. حاولت بناء قدرات تصنيع محلية عبر استثمارات ضخمة ضمن خطة “صنع في الصين 2025″، لكنها لا تزال متأخرة بخمس إلى عشر سنوات عن الولايات المتحدة وتايوان في التقنيات الأكثر تقدماً.
الولايات المتحدة تعرف ميزتها وتستغلها بلا رحمة. في أكتوبر 2022، فرضت قيوداً صارمة على تصدير الرقاقات المتقدمة والآلات اللازمة لتصنيعها إلى الصين. الهدف واضح ومعلن: منع بكين من بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، وأسلحة ذكية، وأنظمة مراقبة فائقة. في 2023، أقرت الولايات المتحدة قانون CHIPS and Science Act بتمويل 52 مليار دولار لتحفيز إنتاج الرقاقات محلياً وتقليل الاعتماد على تايوان.
تايوان نفسها أصبحت نقطة احتكاك جيوسياسي خطيرة. الجزيرة تقع على بُعد 180 كيلومتراً فقط من الساحل الصيني. الصين تعتبرها جزءاً من أراضيها وتُهدد بضمها عسكرياً إذا لزم الأمر. لو نجحت، ستسيطر على 90% من إنتاج الرقاقات الأكثر تقدماً في العالم. هذا السيناريو يُرعب واشنطن وحلفاءها.
تشير تقديرات World Semiconductor Trade Statistics إلى أن سوق أشباه الموصلات العالمي قد يتجاوز تريليون دولار سنوياً خلال العقد القادم. لذلك فإن السيطرة على صناعة الرقاقات ليست مجرد مسألة تقنية، بل صراع على أحد أكبر مصادر الثروة في الاقتصاد العالمي القادم.
الذكاء الاصطناعي في السباق الثلاثي: السلاح الذي يُعيد تعريف القوة
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية واعدة أو أداة إنتاجية. أصبح سلاحاً استراتيجياً يُعيد تعريف القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
اقتصادياً، الشركات التي تملك نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تملك ميزة تنافسية قد تكون حاسمة. OpenAI مع ChatGPT، وGoogle مع Gemini، وAnthropic مع Claude، كلها شركات أمريكية. قيمة OpenAI السوقية تجاوزت 80 مليار دولار رغم أنها لا تبيع منتجات مادية. الصين لديها Baidu وAlibaba وByteDance، لكنها متأخرة في النماذج اللغوية الكبيرة بسبب قيود الوصول إلى الرقاقات المتقدمة.
تُقدّر شركة McKinsey أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً للاقتصاد العالمي. من يملك النماذج الأفضل، يملك الأتمتة الأسرع، والإنتاجية الأعلى، والابتكار الأكبر.
عسكرياً، الذكاء الاصطناعي يُعيد كتابة قواعد الحرب. طائرات بدون طيار ذاتية التحكم تستطيع اتخاذ قرارات قتالية دون تدخل بشري. أنظمة دفاع صاروخي تعتمد على التعلم الآلي لاعتراض الصواريخ فائقة السرعة. تحليل استخباراتي فوري لملايين الصور الفضائية لتتبع تحركات الجيوش والسفن والطائرات. قرارات عسكرية سريعة بناءً على تحليل بيانات ضخمة من مئات المصادر في الوقت الفعلي.
الجيش الأمريكي يستثمر مليارات الدولارات في مشروع Joint All-Domain Command and Control، نظام يهدف لربط كل الأنظمة العسكرية الأمريكية عبر شبكة واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. الفكرة: أي جندي في أي مكان يستطيع الوصول إلى أي معلومة ويمكنه طلب دعم ناري من أي منصة، كل ذلك عبر ذكاء اصطناعي يحلل التهديدات ويقترح الاستجابة الأمثل. الصين تطور أنظمة مشابهة تحت مفهوم “الاندماج المدني-العسكري”، حيث التقنيات المدنية تُستخدم فوراً لأغراض عسكرية.
سياسياً واجتماعياً، من يملك الذكاء الاصطناعي يملك أدوات المراقبة الشاملة. الصين بنت نظام المراقبة الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية عبر الذكاء الاصطناعي وكاميرات التعرف على الوجوه المنتشرة في كل المدن الكبرى. أكثر من 600 مليون كاميرا تراقب الشوارع والمحطات والمتاجر، تتعرف على الوجوه، تتتبع الحركة، ترصد السلوكيات الشاذة. يُستخدم لضبط الجريمة وتحسين حركة المرور، لكنه يُستخدم أيضاً لمراقبة الأقليات مثل الإيغور في شينجيانغ والمعارضين السياسيين.
الفضاء والاقتصاد الفضائي: المنصة التي تربط كل شيء
الفضاء لم يعد رمزاً للهيبة الوطنية وحسب. أصبح بنية تحتية حيوية للاقتصاد والأمن القومي. بدونه، العالم الحديث يتوقف.
تشير تقديرات Morgan Stanley إلى أن الاقتصاد الفضائي العالمي قد يتجاوز تريليون دولار بحلول 2040. هذا النمو الهائل مدفوع بثلاثة قطاعات رئيسية: الاتصالات الفضائية، والمراقبة والاستخبارات، وأنظمة الملاحة.
الاتصالات الفضائية أصبحت ضرورة وليست رفاهية. Starlink من SpaceX، وOneWeb البريطانية، ومشروع GuoWang الصيني المخطط له، كلها كوكبات أقمار صناعية تهدف لتوفير إنترنت عالمي فائق السرعة. Starlink وحدها أطلقت أكثر من 6000 قمر صناعي حتى الآن، وتستهدف 42 ألف قمر في السنوات القادمة. من يسيطر على هذه الشبكات، يسيطر على الاتصالات في المناطق النائية والبحرية والجوية، وحتى في مناطق الحروب. Starlink استُخدم بشكل مكثف في أوكرانيا بعد الغزو الروسي لتوفير اتصالات للجيش والحكومة بعد تدمير البنية التحتية الأرضية.
المراقبة والاستخبارات الفضائية وصلت إلى مستوى غير مسبوق. الأقمار الصناعية العسكرية والتجارية مثل تلك التابعة لشركات Maxar وPlanet Labs توفر صوراً عالية الدقة لأي نقطة على الأرض. الدقة وصلت إلى 30 سنتيمتراً، أي يمكن تمييز سيارة فردية أو شخص واحد. الذكاء الاصطناعي يحلل هذه الصور تلقائياً لتتبع تحركات الجيوش، ومراقبة البنية التحتية، وحتى التنبؤ بالأزمات مثل تتبع الجفاف عبر قياس رطوبة التربة أو توقع الهجرة الجماعية عبر رصد تجمعات بشرية.
أنظمة الملاحة الفضائية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية. GPS الأمريكي، وGLONASS الروسي، وBeiDou الصيني، وGalileo الأوروبي، كلها أنظمة ملاحة فضائية ضرورية للطيران والشحن البحري والنقل البري والزراعة الدقيقة والخدمات المالية التي تعتمد على التوقيت الدقيق. لو توقف GPS فجأة، ستتعطل البنوك والاتصالات وشبكات الكهرباء. الصين بنت BeiDou بتكلفة تُقدر بأكثر من 10 مليار دولار لهذا السبب بالذات: لا تريد أن تعتمد على نظام أمريكي يمكن إيقافه في أي لحظة.
الموارد الفضائية المستقبلية ليست خيالاً علمياً بعد الآن. القمر يحتوي على هيليوم-3، وهو وقود محتمل للاندماج النووي، ومياه متجمدة في الحفر القطبية يمكن تحويلها إلى وقود صاروخي وأكسجين. الكويكبات تحتوي على معادن نادرة مثل البلاتين والذهب بكميات هائلة. كويكب واحد متوسط الحجم قد يحتوي على معادن نادرة بقيمة تريليونات الدولارات.
الصراع التكنولوجي بين الصين وأمريكا: حرب باردة جديدة
الصراع بين واشنطن وبكين على الثلاثية ليس منافسة اقتصادية عادية يمكن أن يكسب فيها الطرفان. إنه صفري المحصلة: فوز أحدهما يعني بالضرورة خسارة الآخر.
الولايات المتحدة تملك التفوق حالياً في معظم الجبهات. تهيمن على تصميم الرقاقات عبر شركات مثل Nvidia وAMD وIntel وQualcomm. تملك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي عبر OpenAI وGoogle وAnthropic وMicrosoft. تملك أكبر قدرات إطلاق فضائي خاص عبر SpaceX التي تُطلق أكثر من أي دولة أخرى في العالم. تملك أكبر شبكة أقمار صناعية عسكرية واستخباراتية، تُقدر بأكثر من 200 قمر صناعي عسكري نشط.
لكن هذا التفوق هش وقابل للتآكل. أكثر من 90% من الرقاقات الأكثر تقدماً تُصنّع في تايوان، جزيرة صغيرة على بُعد 180 كيلومتراً فقط من الساحل الصيني. لو سيطرت الصين على تايوان، ستسيطر على الإمداد العالمي للرقاقات. الصين تستثمر مئات المليارات من الدولارات لبناء قدرات تصنيع رقاقات محلية. في 2014، أطلقت صندوق الصناعة الوطنية لأشباه الموصلات برأسمال يُقدر بأكثر من 150 مليار دولار. النتائج حتى الآن محدودة، لكن الصين صبورة.
في الفضاء، الصين تتقدم بسرعة مذهلة. بنت محطة فضائية خاصة بها بعد أن منعتها الولايات المتحدة من المشاركة في محطة الفضاء الدولية. تخطط لبناء قاعدة قمرية دائمة بحلول 2035 بالشراكة مع روسيا. تطور كوكبة GuoWang المخططة، منافسة لـStarlink، بعشرات الآلاف من الأقمار الصناعية.
في سباق الذكاء الاصطناعي، الصين تواجه عقبات كبيرة بسبب قيود الوصول إلى الرقاقات، لكنها تجد طرقاً للالتفاف. تركز على تطوير نماذج أكثر كفاءة تحتاج رقاقات أقل. تهرّب رقاقات متقدمة عبر طرق ملتوية. تستثمر بكثافة في البحث الأساسي. شركات مثل Baidu وAlibaba وTencent تنفق مليارات على تطوير نماذج محلية.
الصين تلعب لعبة طويلة الأمد. استثماراتها في البحث والتطوير تُقدر بأكثر من 600 مليار دولار سنوياً وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ثاني أكبر ميزانية في العالم بعد الولايات المتحدة. سياستها الصناعية موجهة بشكل مباشر من الدولة عبر خطط خمسية واضحة. تركز على الاكتفاء الذاتي في التقنيات الحرجة.
واشنطن تلعب لعبة احتواء. قيود تصدير الرقاقات والآلات مصممة لخنق قدرات الصين في الذكاء الاصطناعي. ضغط على الحلفاء، خصوصاً هولندا واليابان وكوريا الجنوبية، لعدم بيع تقنيات حساسة للصين. تحالفات تقنية مثل Quad وAUKUS لتطويق الصين تقنياً وعسكرياً.
الرهان واضح. إذا نجحت الصين في بناء قدرات تصنيع رقاقات متقدمة محلياً خلال خمس إلى عشر سنوات، ستكسر الاحتواء الأمريكي وستصبح منافساً كاملاً في كل المجالات. إذا فشلت، ستبقى تابعة تقنياً للغرب لعقود قادمة، مهما كان حجم اقتصادها.
أوروبا واليابان: لاعبون أساسيون لكن ليسوا مستقلين
أوروبا واليابان لديهما قدرات تقنية متقدمة جداً، لكنهما في موقع دفاعي وليس هجومي.
أوروبا تملك ورقة رابحة واحدة لكنها ثمينة: ASML في هولندا. هذه الشركة تصنع الآلات الوحيدة في العالم القادرة على إنتاج الرقاقات الأكثر تقدماً. كل آلة EUV تكلف أكثر من 150 مليون يورو وتتطلب سنوات لتصنيعها. حتى الولايات المتحدة والصين تعتمدان على ASML. هذا يعطي أوروبا، أو بالأحرى هولندا، نفوذاً استراتيجياً كبيراً. واشنطن ضغطت بشدة على هولندا لمنع بيع آلات EUV للصين، ونجحت.
أوروبا لديها أيضاً برامج فضائية قوية. نظام الملاحة Galileo، وصاروخ Ariane، وبرنامج المراقبة الأرضية Copernicus. لكنها متأخرة في الذكاء الاصطناعي. لا توجد شركة أوروبية واحدة منافسة جدياً لـOpenAI أو Google. الشركات الناشئة الأوروبية في الذكاء الاصطناعي صغيرة ومحدودة التمويل.
المشكلة الأكبر أن أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في الأمن العسكري عبر حلف الناتو. هذا يجعل استقلاليتها في القرارات التقنية محدودة. حين تطلب واشنطن من هولندا منع بيع آلات ASML للصين، هولندا تستجيب.
اليابان في موقع مشابه. قوة كبيرة في تصنيع المعدات الدقيقة والمواد اللازمة لإنتاج الرقاقات. شركات مثل Tokyo Electron وShin-Etsu Chemical ضرورية لسلسلة الإمداد العالمية. لديها برنامج فضائي متقدم عبر JAXA، بما فيه مهمات ناجحة إلى الكويكبات. لكنها أيضاً متأخرة في الذكاء الاصطناعي، وتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة يحدد خياراتها بشكل كبير.
أين العرب من حرب الرقائق والسباق الثلاثي؟
المنطقة العربية، كعادتها في معظم التحولات التقنية الكبرى، متفرجة أكثر مما هي لاعبة.
الإمارات تحاول بجدية بناء قدرات في الثلاثية. في الفضاء، أطلقت مسبار الأمل إلى المريخ عام 2021، إنجاز حقيقي رغم أن المسبار بُني بشراكة مع جامعات أمريكية. مشروع المستكشف راشد حاول الهبوط على القمر عام 2023 لكن المحاولة فشلت بسبب عطل في المركبة الحاملة اليابانية. الإمارات وقّعت على اتفاقيات أرتميس وهي عضو في تحالف Gateway المحطة المدارية القمرية. في الذكاء الاصطناعي، تستثمر عبر شركة G42 وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. لكن G42 نفسها تعتمد بشكل كبير على شراكات مع شركات أمريكية وصينية.
الرقاقات؟ لا توجد أي قدرة تصنيع على الإطلاق. كل الرقاقات مستوردة.
السعودية تستثمر عبر صندوق الاستثمارات العامة في شركات تقنية عالمية. استثمرت مليارات في Uber وLucid Motors وشركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي. لكن معظمها استثمارات مالية تسعى للعائد، وليست بناء قدرات محلية. الهيئة السعودية للفضاء موجودة منذ 2018، لكن البرنامج الفضائي لا يزال في مراحله الأولى.
مصر والجزائر والمغرب وغيرها تشتري أقماراً صناعية جاهزة من الصين أو روسيا أو أوروبا، وتُطلقها عبر شركات أجنبية. لا تملك قدرات تصنيع رقاقات، ولا تطوير ذكاء اصطناعي بمستوى تنافسي عالمياً، ولا صناعة صواريخ محلية.
صناعة أشباه الموصلات من أكثر الصناعات تعقيداً في التاريخ البشري. مصنع واحد متقدم يكلف أكثر من 20 مليار دولار. يحتاج سلاسل توريد عالمية معقدة تشمل مئات الشركات المتخصصة. يحتاج خبرات متراكمة عبر عقود. حتى الصين، بكل قوتها المالية والبشرية، تكافح لبناء هذه القدرات منذ عشر سنوات ولم تنجح بالكامل بعد.
تطوير نماذج لغوية كبيرة منافسة يحتاج بنية تحتية حوسبة ضخمة. مراكز بيانات تحتوي على عشرات الآلاف من الرقاقات المتقدمة. يحتاج فرق بحثية من المئات من الخبراء في التعلم الآلي. يحتاج بيانات تدريب ضخمة بلغات متعددة، والعربية ممثلة بشكل ضعيف في مجموعات البيانات العالمية.
البرامج الفضائية العربية موجودة فعلاً، لكنها محدودة النطاق والطموح وتعتمد بشكل كامل تقريباً على شراكات أجنبية. لا توجد قدرات إطلاق مستقلة. لا صناعة صواريخ محلية. لا رؤية إقليمية مشتركة تجمع القدرات والموارد.
الأهم من كل هذا: غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد. بناء قدرات في الثلاثية يحتاج استثماراً ضخماً ومستمراً لعقود، بدون عائد سريع. يحتاج نظام تعليمي يُنتج آلاف المهندسين والعلماء المتخصصين سنوياً. يحتاج بيئة بحثية حرة ومبدعة. يحتاج تكاملاً إقليمياً يتجاوز الحدود الوطنية الضيقة.
السؤال الأصعب: هل ستكون المنطقة العربية، التي تملك ثروات نفطية ومالية هائلة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، مجرد سوق استهلاكية للتقنيات الأمريكية والصينية؟ هل ستجد طريقة للمشاركة في الاقتصاد الفضائي والذكاء الاصطناعي الذي سيُشكّل القرن القادم، أم ستُقسّم الكعكة بدونها؟
المستقبل: من سيحكم العالم الرقمي؟
الصراع على الثلاثية سيُحدد هيكل النظام العالمي للعقود القادمة.
السيناريو الأمريكي المتفائل يعتمد على نجاح الاحتواء. القيود على تصدير الرقاقات تُبطئ الصين بما يكفي لتوسيع الفجوة التقنية. الولايات المتحدة تنجح في بناء قدرات تصنيع رقاقات محلية كافية عبر قانون CHIPS، مما يقلل الاعتماد على تايوان. التفوق في الذكاء الاصطناعي يستمر ويتسع بفضل الوصول الحر للرقاقات والاستثمار الخاص الضخم. SpaceX والشركات الخاصة الأمريكية الأخرى تحافظ على تفوق ساحق في الفضاء.
السيناريو الصيني المتفائل يعتمد على الصبر الاستراتيجي والاستثمار الهائل. الصين تتجاوز الحصار التقني خلال عشر سنوات وتبني قدرات رقاقات متقدمة محلياً كافية لتلبية احتياجاتها الحرجة. نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تتطور وتصل إلى مستوى تنافسي مع الأمريكية. البرنامج الفضائي الصيني يتفوق عبر قاعدة قمرية دائمة بحلول 2035 وكوكبة GuoWang التي تنافس Starlink.
السيناريو الواقعي، والأرجح، هو صراع طويل الأمد بلا حسم واضح. الولايات المتحدة تحافظ على تفوق في بعض المجالات مثل تصميم الرقاقات والذكاء الاصطناعي، بينما الصين تتقدم في مجالات أخرى مثل التطبيقات التجارية الواسعة والتصنيع. تكتلات تقنية إقليمية تتشكل: كتلة أمريكية تضم أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وكتلة صينية تضم روسيا وبعض دول آسيا وأفريقيا. أوروبا تحاول بناء استقلالية جزئية عبر مشاريع مثل European Chips Act لكن دون نجاح كامل. المنطقة العربية تبقى في معظمها مستهلكة لا منتجة.
العالم يتجه بوضوح نحو انقسام تقني. نظامان تقنيان شبه منفصلين، أمريكي وصيني، يتنافسان على الهيمنة. الدول والشركات ستضطر للاختيار: مع أي نظام تتحالف؟ هذا الاختيار سيُحدد وصولها للتقنيات المتقدمة وأسواقها المستقبلية.
خلاصة: السباق الذي يُحدد مستقبل البشرية
الفضاء والذكاء الاصطناعي والرقاقات ليست مجالات تقنية منفصلة يمكن فهمها أو التعامل معها بشكل مستقل. إنها أضلاع مثلث واحد مترابط بإحكام. من يسيطر على الثلاثة معاً، يملك مفاتيح القرن الحادي والعشرين.
يملك الاقتصاد الرقمي الذي سيهيمن على التجارة والإنتاج والخدمات. يملك القوة العسكرية الحديثة القائمة على الأسلحة الذكية والمراقبة الشاملة والحرب السيبرانية. يملك البنية التحتية للمعلومات والاتصالات التي تحكم حياة المليارات يومياً.
الولايات المتحدة والصين لا تتنافسان فقط على التفوق التقني أو الاقتصادي. تتنافسان على نموذج الحكم نفسه. حرية السوق والديمقراطية الليبرالية والابتكار اللامركزي، مقابل الاقتصاد الموجه ورأسمالية الدولة والتخطيط المركزي طويل الأمد. الفائز في السباق الثلاثي لن يُحدد فقط من سيكون الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، بل أيضاً أي نموذج سياسي-اقتصادي سيهيمن على العالم في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.
المنطقة العربية، التي تملك ثروات نفطية هائلة تُقدر باحتياطيات تتجاوز 800 مليار برميل، وثروات مالية في صناديق سيادية تُقدر بتريليونات الدولارات، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط ثلاث قارات، تظل خارج السباق. لا تصنع رقاقات، ولا تطور ذكاء اصطناعي منافساً عالمياً، ولا تملك قدرات إطلاق فضائية مستقلة.
السؤال الذي سيُطارد الأجيال العربية القادمة، حين ينقسم العالم بين من يملك التقنية ومن يستهلكها، بين من يصنع المستقبل ومن يعيش فيه كمتفرج: في أي صف ستكون المنطقة العربية؟ وهل لا يزال هناك وقت للإجابة بشكل مختلف؟
