في يوليو 2025، استضافت الرباط الأسس الوطنية للذكاء الاصطناعي، وأُعلن عن مبادرة “AI Made in Morocco” كاستراتيجية وطنية تُعيد تعريف موقع المملكة على خارطة الذكاء الاصطناعي العالمية. قبل أشهر قليلة، وقّع المغرب شراكة استراتيجية مع شركة Mistral الفرنسية لتطوير نماذج لغوية بحضور محلي فعلي. وفي المؤشر الدولي لجاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن Oxford Insights، تقدّم المغرب أربعة عشر مرتبة دفعةً واحدة عام 2025 ليحتل المرتبة 87 عالمياً.
الأرقام مُبهجة، والمشهد السياسي واعد. لكن المستثمر الأجنبي الذي يدرس دخول السوق المغربية بتقنيات ذكاء اصطناعي يطرح سؤالاً مختلفاً تماماً عمّا تطرحه البيانات الرسمية: ماذا يحميه القانون إن أخطأ نظامه؟ ومن يُحاسبه إن أضرّ؟ وكيف يُنظّم استخدام البيانات المغربية في تدريب نماذجه؟
الأسئلة الثلاثة لا تجد اليوم إجابات قانونية واضحة في أي نص مغربي ساري.
ما بناه المغرب: أساس قوي بثغرات حقيقية
المغرب ليس دولة خالية من الإطار التنظيمي الرقمي. أصدر قانون 09.08 لحماية البيانات الشخصية عام 2009، وأتبعه بقانون 43.20 لخدمات الثقة عام 2020، وقانون 05.20 للأمن السيبراني، وصادق على اتفاقية بودابست للجرائم الإلكترونية عام 2014. أنشأ مارس 2024 “الخلية الرقمية” داخل الأمانة العامة للحكومة لمواكبة التحول الرقمي تشريعياً. وتضمّ استراتيجية Digital Morocco 2030 أهدافاً طموحة: 3000 شركة ناشئة تقنية، و240 ألف وظيفة رقمية، و100 ألف كفاءة مُؤهَّلة سنوياً في القطاعات الرقمية.
هذا البنيان التشريعي والاستراتيجي يضع المغرب في موقع متقدم مقارنةً بكثير من دول القارة الأفريقية والمنطقة العربية. غير أن تقرير جاهزية اليونسكو للذكاء الاصطناعي لعام 2024، الذي استشهد بالمغرب نموذجاً أفريقياً في الإدماج الأخلاقي والشامل للذكاء الاصطناعي في التعليم، أشار في الوقت ذاته إلى غياب إطار تنظيمي واضح لحماية بيانات الطلاب، مما يكشف أن الثناء الدولي لا يعني اكتمال المنظومة.
الثغرة الجوهرية واحدة وصريحة: المغرب لا يمتلك حتى الآن تشريعاً خاصاً بالذكاء الاصطناعي، خلافاً للاتحاد الأوروبي الذي اعتمد قانون الذكاء الاصطناعي عام 2024.
ما الذي يُثبّط المستثمر الأجنبي فعلاً؟
على الرغم من البنية التنظيمية القائمة، فإن غياب قانون خاص بالذكاء الاصطناعي يُعيق النشر في القطاعات الحساسة كالصحة والقضاء والمال، ويُثبّط المستثمرين الأجانب والمؤمّنين، فيما تبقى أسئلة المسؤولية الخوارزمية دون إجابة واضحة.
المسألة تتجاوز مجرد غياب نص. عدم اليقين القانوني في ثلاثة ملفات تحديداً هو ما يجعل المستثمر الأجنبي يتردد:
الملف الأول هو المسؤولية عن الضرر الخوارزمي. حين يتخذ نظام ذكاء اصطناعي قراراً يُلحق ضرراً بمواطن مغربي، لا يوجد نص يُحدد من يُحاسَب: المطوّر الأجنبي، أم الشركة المحلية التي نشرت النظام، أم المستخدم النهائي؟ هذا الغموض يدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها أو الامتناع كلياً عن تغطية منتجات الذكاء الاصطناعي في السوق المغربية، وهو عائق تشغيلي حقيقي لا مجرد نقاش أكاديمي.
الملف الثاني هو استخدام البيانات المغربية في التدريب. شراكة Mistral-المغرب تُثير سؤالاً عملياً: هل يحق لشركة أجنبية استخدام البيانات المجمَّعة داخل المغرب لتدريب نماذجها التي تُباع لاحقاً خارجه؟ قانون 09.08 يُنظّم معالجة البيانات، لكنه لم يُصمَّم ليُجيب على سؤال كهذا بدقة، وهو السؤال ذاته الذي تناولناه في تحليلنا حول قانون 09.08 ومواجهة شركات الذكاء الاصطناعي العالمية.
الملف الثالث هو التصنيف القطاعي للمخاطر. قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يُصنّف الأنظمة المستخدمة في الصحة والقضاء والبنية التحتية الحرجة ضمن فئة المخاطر العالية، مما يُلزم بمتطلبات شفافية وتحقق مسبق. المغرب لا يملك تصنيفاً مماثلاً، مما يعني أن نظام ذكاء اصطناعي يُصنّف ائتمانياً أو يُقيّم طلبات قروض يمكن نشره دون أي اشتراطات تقنية مسبقة.
الجدول المقارن: ما يُقدّمه المغرب وما ينقصه
| البُعد | الوضع الراهن في المغرب |
|---|---|
| حماية البيانات الشخصية | قانون 09.08 (2009) + تحديثات جزئية |
| قانون خاص بالذكاء الاصطناعي | غائب |
| تصنيف الأنظمة عالية المخاطر | غائب |
| مسؤولية الضرر الخوارزمي | لا نص صريح |
| سلطة تنظيمية معيّنة للذكاء الاصطناعي | CNDP بصلاحيات محدودة |
| حوافز استثمارية قانونية لقطاع الذكاء الاصطناعي | استراتيجية Digital Morocco 2030 (غير ملزمة) |
| اعتراف أوروبي بكفاية حماية البيانات | نعم (ميزة تنافسية حقيقية) |
الميزة التنافسية التي لا يستثمرها المغرب كاملاً
المغرب يرتكز في مسار سيادة الذكاء الاصطناعي على ثلاثة ركائز: البنية التحتية الوطنية كمراكز البيانات والسحابة السيادية والحوسبة المحلية، وحوكمة البيانات وفق إطار CNDP ومنظومة قانون 09.08، وتطوير الكفاءات البشرية ونماذج اللغة المغربية.
لكن هذه الركائز لا تُغني عن الإطار القانوني الملزم. اللجنة الوطنية للتحكم في حماية المعطيات الشخصية أطلقت تفكيراً في تنظيم خاص للذكاء الاصطناعي، مستوحياً من أعمال قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي مع تكييفه مع السياق المغربي، ومن المتوقع أن يُفضي هذا التفكير إلى توصيات قطاعية.
هذا التوجه واعد، لكنه لا يزال في مرحلة التفكير والتوصيات، لا في مرحلة النص الملزم. والفارق بين المرحلتين هو ما يدفع شركات الذكاء الاصطناعي الأجنبية إلى اختيار دبي أو الرياض نقطةً للانطلاق الإقليمي بدلاً من الدار البيضاء، ليس لأن المغرب أقل جاذبية جغرافياً أو بشرياً، بل لأن الرؤية القانونية أوضح في المنافسَين.
الإمارات أسست مكتب الذكاء التشريعي في 2025. المملكة العربية السعودية أصدرت مسودة قانون مركز الذكاء الاصطناعي العالمي في أبريل من العام ذاته. المغرب لا يزال في مرحلة “الخلية الرقمية” و”توصيات CNDP المرتقبة”.
ما الذي يجب على المستثمر الأجنبي معرفته اليوم
في غياب قانون ذكاء اصطناعي خاص، يتشكّل الإطار القانوني الفعلي للمستثمر الأجنبي من طبقات متعددة لا نص موحداً واحداً. قانون 09.08 يُنظّم البيانات. قانون 05.20 يُنظّم الأمن السيبراني. قانون الالتزامات والعقود يحكم المسؤولية التعاقدية. قانون الشغل يُنظّم العلاقة مع الموظفين الذين يُدارون أو يُقيَّمون بخوارزميات. والقانون الجنائي بفصوله 607 يُجرّم الجرائم المعلوماتية.
هذا التشتّت التشريعي يعني أن المستثمر الذي يُريد نشر نظام ذكاء اصطناعي في المغرب يحتاج إلى مراجعة قانونية متعددة المحاور بدلاً من الرجوع إلى نص واحد شامل. وهذا بحد ذاته تكلفة غير مباشرة تُثبّط الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة دون أن تمنع الشركات الكبرى التي تملك فرق قانونية متخصصة.
ثلاثة إجراءات عملية يجب أن يتخذها أي مستثمر أجنبي في قطاع الذكاء الاصطناعي المغربي: التصريح لدى CNDP بكل معالجة للبيانات الشخصية قبل انطلاق أي خدمة، والتحقق من توافق بنود العقود المبرمة مع المتعاملين المغاربة مع شروط قانون 09.08 خصوصاً ما يتعلق بنقل البيانات للخارج، وإدراج بنود صريحة في عقود الشراكة المحلية تُحدد توزيع المسؤولية في حال أفضى النظام الخوارزمي إلى ضرر.
هذه الإجراءات ليست ضماناً كافياً. هي إدارة مخاطر في فراغ قانوني، بانتظار نص لم يصدر بعد.
الموقف الواضح
المغرب يملك من المقومات ما يُؤهّله لأن يكون مركزاً إقليمياً حقيقياً للذكاء الاصطناعي: موقع جغرافي، قوة بشرية، اعتراف أوروبي بمستوى حماية بياناته، وإرادة سياسية واضحة. لكن الإرادة السياسية لا تُوقّع عقوداً ولا تُحدد مسؤوليات ولا تُجيب عن أسئلة محامي الشركات.
الاستثمار الأجنبي في الذكاء الاصطناعي لا يذهب إلى البلد الأكثر حماساً، بل إلى البلد الأكثر وضوحاً. والوضوح القانوني هو ما يفتقر إليه المغرب في هذا الملف تحديداً، في وقت يُقدّم فيه منافسوه الخليجيون أُطراً تشريعية جاهزة بدلاً من استراتيجيات واعدة.
المسافة بين استراتيجية Digital Morocco 2030 وقانون ذكاء اصطناعي مغربي فعلي هي المسافة التي يقيسها المستثمر الأجنبي قبل أن يُوقّع.
الأسئلة الشائعة
هل يحتاج المستثمر الأجنبي في قطاع الذكاء الاصطناعي بالمغرب إلى ترخيص خاص؟
لا يوجد حتى الآن ترخيص خاص بأنظمة الذكاء الاصطناعي في المغرب. لكن أي نشاط يتضمن معالجة بيانات شخصية يستلزم التصريح المسبق لدى اللجنة الوطنية للتحكم في حماية المعطيات الشخصية وفق قانون 09.08، فيما تخضع الأنشطة ذات الطابع السيبراني لقانون 05.20. الغياب التشريعي لا يعني حرية مطلقة، بل يعني تطبيق قوانين متعددة غير مصممة أصلاً لهذا القطاع.
هل يستطيع المستثمر الأجنبي نقل البيانات المغربية خارج المغرب لتدريب نماذجه؟
يُجيز قانون 09.08 نقل البيانات الشخصية خارج المغرب بشرط حصول المستثمر على ترخيص مسبق من اللجنة الوطنية، أو إثبات أن الدولة المُستقبِلة توفر مستوى حماية كافياً. الثغرة تكمن في أن القانون لم يُصمَّم لسيناريو تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تحديداً، مما يترك مساحة رمادية قانونية تحتاج إلى تفسير من اللجنة أو نص تشريعي محدَّث.
كيف يختلف الإطار القانوني للذكاء الاصطناعي في المغرب عن الإمارات والسعودية؟
الإمارات أسست مكتب الذكاء التشريعي عام 2025 وتملك محاكم متخصصة سبق أن نظرت في أدلة مُنتَجة بالذكاء الاصطناعي. السعودية أصدرت مسودة قانون مركز الذكاء الاصطناعي العالمي أبريل 2025 مع مبادئ أخلاقية رسمية. المغرب يمتلك قاعدة تنظيمية رقمية متقدمة نسبياً لكن دون قانون ذكاء اصطناعي خاص حتى الآن، مما يجعله أقل وضوحاً تشريعياً للمستثمر الأجنبي رغم مزاياه التنافسية الأخرى.
