العالم الإسلامي والذكاء الاصطناعي: ربع البشرية خارج دائرة التأثير

حين أعلنت واشنطن وبكين وبروكسل أن الذكاء الاصطناعي بات أولوية أمن قومي، لم تصدر إشارة مماثلة من أيٍّ من العواصم التي تتحدث باسم ملياري مسلم. لا من إسلام آباد ولا من جاكرتا ولا من القاهرة. فقد صدرت وثائق بعناوين طموحة ومؤتمرات بختامياتها المعتادة. لكن بين الوثيقة والقرار السياسي الفعلي هوّة يعرفها كل من عمل يومًا داخل مؤسسة حكومية عربية.

العالم الإسلامي والذكاء الاصطناعي لا يظهران معًا إلا في موضعين: مؤتمر ينتهي ببيان لا يقرأه أحد، أو تقرير غربي يُشير إلى “الدول النامية” في فقرة مجاملة قرب الخاتمة. خارج هذين الموضعين، الحضور شبه معدوم.

وهذا يستدعي تفسيرًا لا رثاءً.

ما لا تشتريه الخوادم

التفسير المعتاد يدور حول ضعف التمويل وقِدم البنية التحتية. وهو جزء حقيقي من الصورة لكنه الزاوية الأكثر كسلًا، لأنه يختزل المسألة في عملية شراء: خوادم ومراكز بيانات وحوسبة سحابية. فتجارب دول خليجية أثبتت أن هذا المسار قابل للاختصار إذا توفّر المال مقترنًا بإرادة سياسية. فالإمارات مثلا عيّنت وزير دولة للذكاء الاصطناعي عام 2017. والسعودية أنشأت هيئة وطنية وضخّت مليارات في البنية التحتية الرقمية. لكن التجربتين تكشفان بالقدر نفسه حجم العجز عند البقية. ما أتاح لهاتين الدولتين التحرك ليس الثروة لوحدها بل قرار مركزي صريح، وهو ما تفتقر إليه الغالبية.

فالذي لا يُشترى اليوم هو شيء مختلف تمامًا: وعلى رأسها منظومة تُنتج المعرفة قبل التطبيقات. جامعات تحظى بتمويل بحثي مستدام لا موسمي. مختبرات تنافس دوليًا وتنشر في دوريات محكّمة. سوق عمل يحتضن الباحث بدل أن يدفعه نحو مطار المغادرة.

وهجرة الأدمغة في هذا القطاع لا تُوصف بالتسرب. بل لها اتجاه واحد ووجهة معروفة. فأبرز العقول العربية والمسلمة في التعلم العميق ومعالجة اللغة تعمل اليوم في مختبرات Google وMeta و Open AI. تُراكم معرفة تصبّ في مؤسسات لا صلة لها ببلدانهم الأصلية. والمؤسسات في بلدانهم، في القاهرة وعمّان وتونس وكراتشي، لا تملك ما تُغري به هذه الكفاءات. لا الرواتب ولا البيئة البحثية ولا الاحترام المهني الكافي. وهذا الأخير أحيانًا هو العامل الحاسم.

ليس عالمًا واحدًا

خطأ شائع أن يُعامَل العالم الإسلامي ككتلة واحدة في هذا الملف. الواقع أن الفجوات داخله لا تقل حدة عن فجوته مع الخارج.

فدول الخليج مثلا ، وتحديدًا الإمارات والسعودية، تتحركان بسرعة مدعومة بفوائض مالية وقرار سياسي لا يحتاج مفاوضات برلمانية. فمعهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي أطلق نموذج Falcon الذي نافس وقت صدوره نماذج مفتوحة المصدر من شركات أمريكية كبرى. السعودية أطلقت ALLaM بالتعاون مع IBM كنموذج لغوي مصمّم للعربية. هذه ليست إنجازات شكلية. لكنها تبقى مرتبطة بدولتين صغيرتين سكانيًا تعتمدان على استقطاب الكفاءات من الخارج أكثر من بنائها محليًا. والسؤال الذي لا يُطرح بصوت عالٍ: هل يمكن لنموذج تنموي قائم على الاستقطاب أن يُنتج سيادة معرفية حقيقية؟

وتركيا تملك بيئة جامعية أقوى وقطاعًا تقنيًا خاصًا ينمو. لكن التذبذب السياسي وضغوط الاقتصاد الكلي يكبحان الاستمرارية. كثير من الباحثين الأتراك في الذكاء الاصطناعي يعملون من خارج تركيا ولا ينوون العودة قريبًا.

وبالنسبة لماليزيا فقد اختارت مسارًا مختلفًا: يركز على التطبيقات لا على بناء النماذج الأساسية. و نجحت في إدماج بعض أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي والإداري. لكنها لم تدّع أنها تنافس في سباق النماذج الكبرى، وهذا واقعية تُحسب لها.

ام بالنسبة لشمال أفريقيا ومصر وباكستان وبنغلاديش وإندونيسيا والتي تمثّل الثقل الديموغرافي الحقيقي للعالم الإسلامي. فان لديها الملايين من الشباب، وجامعات كثيرة، وكفاءات فردية لا يُستهان بها. لكن البنية المؤسسية التي تُحوّل هذه الطاقة إلى قدرة جماعية شبه غائبة. فتونس مثلا تُخرّج مهندسين يتنافس عليهم سوق العمل الفرنسي. و مصر تُنتج باحثين يتصدرون فرقًا بحثية في كندا وألمانيا. لكن ما يبقى داخل هذه البلدان من هذه الطاقة لا يكفي لتشكيل كتلة حرجة.

الفروق بين هذه التجارب ليست تفاصيل. بل هي جوهر المشكلة. لأن وصفة الخليج لا تُستنسخ في القاهرة، ومسار ماليزيا لا يناسب كراتشي. وكل حديث عن “استراتيجية إسلامية موحدة للذكاء الاصطناعي” يتجاهل هذه الفروق ينتهي إلى بيان ختامي آخر.

تسعة قرون بين قرارين

الإشارة إلى الماضي هنا ليست من باب الحنين. هي محاولة لتشريح آلية واحدة تكررت ثم توقفت.

المنظومة التي أنتجت الخوارزمي وابن الهيثم والزهراوي لم تكن صدفة فهؤلاء العباقرة لم يكونو أفراد نابغين ظهروا من فراغ. بل كانو نتاج بنية مؤسسية صنعها قرار واعٍ: أوقاف موّلت البحث باستقلال عن مزاج الحاكم، مكتبات أُتيحت للعامة، حركة ترجمة منهجية نقلت المعرفة اليونانية والفارسية والهندية ثم تجاوزتها. بيت الحكمة في بغداد لم يكن رفًّا للكتب. كان قرار دولة بأن إنتاج المعرفة استثمار لا إنفاق.

ما يلفت الانتباه ليس أن العرب اخترعوا الجبر. هذه جملة صحيحة تاريخيًا لكنها لا تُغيّر الحاضر. ما يلفت الانتباه أن الشرط الذي أنتج تلك القفزة هو ذاته الشرط المفقود اليوم: قرار سياسي بتخصيص موارد حقيقية للبحث.

وفق بيانات البنك الدولي، يظل إنفاق معظم الدول العربية على البحث والتطوير دون نصف نقطة مئوية من ناتجها المحلي، بينما يتخطى المعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي نقطتين مئويتين. الفارق لا يُقاس بالأرقام فقط. يُقاس بما تكشفه عن ترتيب الأولويات.

ثلاثة جدران لا يهدمها التمويل وحده

المال عائق لكنه الأيسر تفسيرًا. ما يُعيق الحركة فعلًا ثلاثة جدران هيكلية يُعزّز كل منها الآخر.

أولها غياب الطبقة البحثية الوسطى. بين باحث ينشر ورقة هنا وورقة هناك وبين قدرة مؤسسية تُخرج نموذجًا لغويًا أو نظام قرار متكاملًا فجوة لا تسدّها الشهادات. تسدّها مختبرات تشتغل على مشروع واحد لسنوات بتمويل لا ينقطع مع كل دورة ميزانية. حتى Falcon الذي خرج من أبوظبي بُني بفريق أغلبه مستقطب من الخارج. النموذج إماراتي التمويل لكنه ليس بالضرورة إماراتي المعرفة. وهذا فارق لا ينبغي التغاضي عنه.

ثانيها مؤسسات بلا أسنان. أكثر من عشر دول في منظمة التعاون الإسلامي نشرت وثائق تحمل عنوان “الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.” لكن الدول التي أنشأت فعلًا مؤسسة مستقلة بصلاحيات تنفيذية وميزانية تشغيلية لتنفيذ ما في تلك الوثائق يمكن عدّها على أصابع يد واحدة. وثيقة بلا مؤسسة تحملها ليست سياسة. هي بيان نوايا.

ثالثها الأولويات المقلوبة. في دولة ترزح تحت بطالة شبابية تتجاوز الثلاثين بالمئة أو تعجز عن تأمين خدمات أساسية، يبدو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي نوعًا من الترف. هذا التصور مفهوم لكنه يُرسّخ دوامة: التأخر يُعمّق التبعية، والتبعية تُضعف الاقتصاد، والاقتصاد المنهك يمنع أي استثمار جديد. الدول التي تقود السباق اليوم لم تنتظر حتى أنهت مشاكلها. أدركت أن هذا السباق جزء من حلّها.

القواعد تُكتب الآن ولا أحد ينتظر

من لا يُنتج النموذج ولا يُصدّر التشريع لا يُستشار. يتلقّى.

حين صاغ الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي لم يحتج إلى رأي أحد خارج حدوده، لأن من يضع المعيار هو من يملك القدرة الإنتاجية والإرادة التنظيمية معًا. ومعايير الأخلاقيات التي تعتمدها شركات مثل OpenAI حول ما هو “مقبول” وما هو “ضار” تتحول بحكم الانتشار السوقي إلى قواعد عالمية لم يُصوّت عليها أحد خارج وادي السيليكون. تُطبَّق على مئات الملايين من المستخدمين العرب والمسلمين الذين لم يشاركوا في صوغها ولا سمعوا بوجودها أصلًا.

من يبني النموذج يُضمّنه تصوراته عن اللغة والقانون والأخلاق. ومن يستورده يستورد تلك التصورات معه، وغالبًا دون أن يُميّز بين التقنية والثقافة المحمولة داخلها. أن تملك بياناتك لا يعني أنك تملك قرارك إن كان من يُعالج تلك البيانات يعمل بمنطق مختلف تمامًا عن سياقك.

والمسألة تتجاوز القيم إلى شيء أكثر صلابة: السيادة. شركات التقنية الكبرى لا تتصرف كموردي خدمات. تتصرف ككيانات تملك سلطة تنظيمية موازية تضع قواعدها وتفرضها من خلال شروط الاستخدام لا من خلال البرلمانات.

الغياب لا يضرّ أصحابه وحدهم

قد يبدو أن المشكلة تخص تلك الدول فقط. هذا تبسيط.

نماذج لغوية ضخمة تُدرَّب دون تمثيل حقيقي للعربية بلهجاتها ودون مراعاة للسياقات القانونية والاجتماعية لخُمس سكان الأرض لا تُنتج إقصاءً فحسب. تُنتج أنظمة ناقصة بنيويًا. نموذج يُدرك الفروق بين الإنجليزية البريطانية والأمريكية لكنه يخلط بين لهجة مصرية وأخرى مغاربية ليس ناقصًا محليًا. هو معيب بمعيار عالمي.

أنظمة القرار الآلي في التوظيف والإقراض والأمن بدأت تدخل المنطقة العربية بالفعل. أغلبها مُدرَّب على بيانات مجتمعات أخرى. نقلها دون تكييف لا يعني نقل التقنية. يعني نقل كل تحيّز مضمّن فيها وتطبيقه على واقع لم تُصمَّم لأجله. من يتحمّل العواقب حين تُخطئ هذه الخوارزميات في سياق لم تُدرَّب عليه؟ هذا السؤال لا يُطرح بالقدر الكافي.

والأشد وطأة أن الدول الأكثر حاجة إلى ذكاء اصطناعي مصمّم لسياقها في التعليم والصحة والزراعة والإدارة العامة هي ذاتها الأبعد عن إنتاجه.

الباب لا يبقى مفتوحًا

ما يُعاد تشكيله اليوم ليس سوقًا تقنية. هو بنية صنع القرار للعقود المقبلة. من يُطوّر النماذج ويضع المعايير ويُدرّب الأنظمة على بياناته لن يكون فقط الأكثر ثراءً. بل سيكون الأقدر على تحديد ما يُعتبر عادلًا وما يُعتبر مقبولًا وما يُعتبر طبيعيًا.

و ربع البشرية اليزم واقف خارج تلك الغرفة بدون اي تأثير حقيقي . ليس لأن الباب مُوصد بل لأن القرار بالدخول لم يُتخذ.

والأبواب من هذا النوع لا تظل مفتوحة طويلًا.