صدمة هرمز: ماذا يحدث للاقتصاد العالمي حين يتوقف الغاز الخليجي؟

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، تسبّب تصاعد التوتر في الخليج في اضطرابات شديدة بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما كانت غرف التداول في لندن وطوكيو وسنغافورة تسجّل أرقاماً لم تظهر منذ عقود. و في الرابع من مارس/آذار 2026، أعلنت قطر للطاقة حالة “القوة القاهرة” على جزء من عقودها بعد وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به نتيجة هجوم عسكري استهدف منشآت في رأس لفان ومسيعيد. لاحقاً، تم إخطار العملاء المتضررين في إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين بمدّ أو تفعيل حالة القوة القاهرة مجدداً في 24 مارس/آذار 2026 إثر هجمات صاروخية إضافية. كان هذا الإجراء بمثابة إشعار بأن خُمس إمدادات الطاقة العالمية باتت في مهبّ الريح.

يمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية ما يقارب 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي. أي تهديد لهذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً في أضيق نقاطه يُترجَم فورياً إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية. وهذا بالضبط ما حدث.

الحرب التي اندلعت إثر ضربات جوية أمريكية إسرائيلية على أهداف داخل إيران لم تبقَ في حدود جبهة واحدة. امتدت إلى اليمن ولبنان وممرات التجارة البحرية. الحوثيون أطلقوا صواريخهم وهددوا بإغلاق باب المندب. وفجأة وجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام احتمال لم يُدرجه أحد في خطط الطوارئ: انسداد ممرّين بحريين في آنٍ واحد.

في هذا المقال لا نتناول الحرب بوصفها حدثاً عسكرياً. يتناولها بوصفها اختباراً اقتصادياً كاشفاً يُعرّي هشاشة بنية الطاقة العالمية ويطرح سؤالاً لا مفر منه: ماذا يحدث للاقتصاد العالمي حين يغلق صنبور الطاقة الأكبر على وجه الأرض؟

هرمز وقطر: رقمان يشرحان كل شيء

عشرون بالمئة من نفط العالم وغازه يمر عبر ممر لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً. هذا الرقم وحده يكفي لفهم حجم الصدمة. لكن الأرقام الأكبر تكمن فيما يمر عبر هرمز من غاز طبيعي مسال. في عام 2024 وحده مرّ عبر هذا المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، معظمها من قطر التي صدّرت عبر هذا الطريق ما يقارب 3.9 مليار قدم مكعب يومياً.

قطر ليست مجرد مصدر إقليمي للطاقة. في عام 2024 شكّلت صادراتها نحو 18.8% من صادرات الغاز الطبيعي المسال في العالم، أي ما يقارب 77 مليون طن سنوياً. و حين أعلنت قطر للطاقة القوة القاهرة، لم يكن الأمر تعليقاً لعقود فحسب. كان إشعاراً بأن سلاسل الإمداد المبنية على افتراض الاستقرار الخليجي باتت تعمل بافتراضات مختلفة جذرياً.

الأسواق فهمت الرسالة قبل أن تصدر أي بيانات رسمية. فخلال الأسابيع الأولى من الأزمة قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الآسيوية بأكثر من 140% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في واحدة من أسرع موجات الارتفاع في تاريخ سوق الطاقة الحديث. شركات الشحن بدأت تحوّل مسارات ناقلاتها حول رأس الرجاء الصالح، مضيفةً أسبوعين على رحلات كانت تستغرق أياماً. تكاليف التأمين على السفن في المنطقة ارتفعت بشكل حاد وفق ما أفادت به تقارير سوق لويدز.

ثلاثة سيناريوهات لما يأتي

الإغلاق لم يُحسم بعد. والسؤال الذي يشغل المحللين الاقتصاديين ليس “هل تأثر الاقتصاد العالمي؟” بل “إلى أي مدى سيتأثر إذا طال الأمر؟”

السيناريو الأول: الصدمة القصيرة

لو تراجع الصراع إلى مستوى يسمح باستئناف الملاحة قريباً، فالأثر الاقتصادي مؤلم لكن قابل للامتصاص.

النفط سيستقر فوق 100 دولار للبرميل في المدى القريب. الدول التي تمتلك احتياطيات استراتيجية ضخمة كالولايات المتحدة والصين واليابان ستضخها في الأسواق لكبح الارتفاع. موجة التضخم ستكون حادة في أوروبا وآسيا لكنها لن تتحول إلى حالة مزمنة.

الأثر الأشد سيقع على الأقل حظاً في هذه المعادلة: باكستان وبنغلاديش وعدد من الدول العربية المستوردة للطاقة. هذه اقتصادات تفتقر إلى احتياطيات استراتيجية وتقترض بالدولار وتدعم أسعار الطاقة من ميزانيات مثقلة أصلاً. أزمة قصيرة المدى بالنسبة لأوروبا قد تكون أزمة ديون سيادية بالنسبة لها.

بدا هذا السيناريو الأكثر ترقباً في الأسابيع الأولى. لكن مع استمرار الصراع حتى نهاية مارس 2026 دون حسم، بدأ المحللون يُعيدون ضبط توقعاتهم نحو السيناريو الثاني.

السيناريو الثاني: إعادة رسم خريطة الطاقة

إذا استمر الصراع بما يكفي لدفع المستوردين الكبار إلى إعادة النظر في بنية إمداداتهم، فالأثر يتجاوز الأسعار إلى هيكل السوق ذاته.

أوروبا التي أعادت بناء محطات الغاز المسال بعد أزمة 2022 ستُسرّع توسيع طاقتها الاستيعابية. الغاز الأمريكي والغاز الأفريقي، خاصة من موزمبيق والجزائر وتنزانيا، سيجد طلباً لم يكن متاحاً قبل الأزمة. الاستثمارات في الطاقة المتجددة ستحصل على دفعة سياسية وتمويلية غير مسبوقة.

لكن هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها. بناء محطات الغاز المسال يستغرق سنوات وتمديد خطوط الأنابيب البديلة يستغرق أكثر. في المرحلة الانتقالية سيتعايش العالم مع طاقة أغلى وأقل استقراراً. البنوك المركزية ستجد نفسها في مأزق حقيقي: رفع الفائدة لمكافحة التضخم يُضرّ بالنمو المتباطئ أصلاً، وخفضها يُذكي التضخم. لا مخرج مريح من هذه المعادلة، وفق ما أشارت إليه تقديرات فيتش التي قدّرت أثر انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بـ 0.5 نقطة مئوية أو أكثر، أي ما يعادل صدمة بقيمة 500 مليار دولار.

الدول العربية النفطية غير المنخرطة مباشرة في الصراع كالسعودية والإمارات والكويت ستجد فرصة تاريخية لرفع إنتاجها. لكنها ستجد في الوقت ذاته ضغوطاً جيوسياسية متضاربة تجعل قرار الإنتاج أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.

السيناريو الثالث: نظام طاقة عالمي مختلف

إذا تحول الصراع إلى حالة مزمنة فالعالم الذي سيخرج منه لن يشبه العالم الذي دخله.

أسعار النفط فوق 150 دولاراً لفترة ممتدة تُفضي إلى تحولات لا يمكن عكسها. سلاسل التوريد المبنية على منطق الكفاءة والتكلفة المنخفضة تُعاد هيكلتها على منطق الأمن والقرب الجغرافي. صناعات بأكملها تُعيد تصميم نفسها حول افتراض الطاقة الباهظة.

الأثر على منظومة الغذاء العالمية يستحق وقفة خاصة. الغاز الطبيعي يشكّل المادة الخام الأساسية لإنتاج الأمونيا والأسمدة النيتروجينية التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة. أي نقص كبير في إمدادات الغاز يرفع تكلفة الأسمدة عالمياً ويؤثر مباشرة في إنتاج الحبوب والمحاصيل. هذا ليس تحليلاً نظرياً. آلية الانتقال من نقص الغاز إلى نقص الغذاء موثقة في أزمة الأسمدة التي أعقبت حرب أوكرانيا 2022 حين ارتفعت أسعار الأسمدة العالمية بأكثر من 80%.

أما الجانب الذي نادراً ما تتناوله التحليلات الاقتصادية فهو الدول العربية المستوردة للطاقة كالأردن ولبنان وتونس والمغرب. هذه دول تقع في قلب العاصفة دون أن تملك أوراقاً تفاوضية حقيقية. الفجوة الرقمية بين دول الخليج المنتجة والدول العربية المستوردة ستتعمق وتتحول إلى فجوة اقتصادية أكثر ديمومة مما يتوقعه أحد.

الهشاشة التي لا تُرى في السلم

ما تكشفه هذه الأزمة ليس جديداً على المحللين. التقارير التي حذّرت من الاعتماد المفرط على ممرات بحرية محدودة موجودة منذ سنوات. لكن منطق الكفاءة الاقتصادية في زمن الاستقرار يُهمّش حسابات المخاطر في زمن الاضطراب.

بنى العالم منظومة طاقة تعمل بكفاءة عالية في الأحوال العادية وتتصدع تحت الضغط. احتياطيات استراتيجية مصممة للأزمات القصيرة لا للصراعات الممتدة. مسارات بحرية بديلة أطول وأغلى. تنويع في مصادر الطاقة ظل وعداً مؤجلاً أمام ضغوط التكلفة الآنية.

الفاتورة التي يدفعها العالم اليوم هي تراكم سنوات من هذا التأجيل.

ما لا تقوله أرقام النفط

كل دولار يُضاف إلى سعر برميل النفط يُترجَم إلى ساعات انقطاع كهربائي في كراتشي، وارتفاع في فاتورة التدفئة في برلين، وتراجع في إنتاج المحاصيل في حوض النيل. الاقتصاد العالمي ليس نظاماً مجرداً من الأرقام. هو شبكة من القرارات اليومية لمئات الملايين من الناس الذين لا يملكون احتياطيات استراتيجية ولا محافظ استثمارية تحميهم من الصدمات.

السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الأزمة ليس متى يُفتح هرمز. بل ماذا سيبقى من النظام الاقتصادي الذي عرفناه حين يُفتح أخيراً؟