أزمة هرمز تهدد الذكاء الاصطناعي: كيف تضرب الطاقة والرقائق قلب الثورة الرقمية ؟

في الأسبوع الأول من مارس 2026، لم تكن أجهزة الإنذار تصدر في مصانع الرقائق الكورية فحسب. في غرف العمليات بشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى في سان فرانسيسكو وسياتل ولندن، كان المهندسون يراجعون حسابات مختلفة: كم تيراواط/ساعة تحتاجها النماذج اللغوية الكبرى شهرياً؟ وكم تكلّف الكيلوواط/ساعة الواحدة بعد أن قفزت أسعار الغاز المسال في الأسواق الآسيوية؟

الإجابة لم تكن مريحة.

فسباق الذكاء الاصطناعي الذي يبدو للوهلة الأولى معركة خوارزميات ونماذج رياضية، يرتكز في جوهره على ثلاثة موارد مادية: طاقة كهربائية ضخمة، ورقائق إلكترونية متقدمة، وغاز هيليوم لا يمكن تصنيعه. أزمة هرمز ضربت الثلاثة في وقت واحد، كاشفةً عن هشاشة بنيوية في منظومة التقنية العالمية طالما تجاهلها المستثمرون والمخططون الاستراتيجيون.

حين يصطدم الذكاء الاصطناعي بفاتورة الكهرباء

وكالة الطاقة الدولية قدّرت أن استهلاك قطاع الذكاء الاصطناعي من الكهرباء سيتجاوز 800 إلى 1000 تيراواط/ساعة سنوياً بنهاية 2026، رقم يعادل استهلاك دولة صناعية متوسطة بالكامل. هذه الطاقة لا تأتي من فراغ. تأتي من شبكات كهربائية تعتمد في أجزاء كبيرة منها على الغاز الطبيعي، والغاز الطبيعي يمر جزء كبير منه عبر هرمز.

الشركات الكبرى التي ضخّت استثمارات تتجاوز 650 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي حتى 2026، من Google وMicrosoft وMeta، وجدت نفسها أمام معادلة لم تكن في أي نموذج مالي: تكاليف تشغيل مراكز بياناتها ترتفع حاداً في الوقت الذي تتسارع فيه المنافسة ولا يمكن التوقف.

الأثر الاقتصادي المباشر يتجلى في تكاليف التدريب. تدريب نموذج لغوي كبير من جيل GPT-4 يستهلك وفق تقديرات متعددة ما يعادل استهلاك مئات المنازل لأشهر متواصلة. حين ترتفع تكلفة الكيلوواط/ساعة بشكل حاد، يرتفع معها ثمن كل نموذج جديد، وكل تحديث، وكل جلسة استدلال على نطاق واسع. الشركات التي تُشغّل نماذجها لملايين المستخدمين يومياً تجد أن هامش الربحية يتآكل بصمت، فيما لا تستطيع رفع الأسعار على المستخدمين في سوق تنافسية حادة. المعادلة بلا حل مريح.

شهدت أسهم شركات أشباه الموصلات تراجعات حادة وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 20% وفق تقديرات Morgan Stanley، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تُسعّر مخاطر لم تكن في الحسبان. لكن الأسواق تتحرك بردود أفعال آنية، فيما التحديات الفعلية أعمق وأبطأ في الظهور.

تاريخياً لم تكن هذه المرة الأولى التي تتقاطع فيها أزمة طاقة مع تحولات تقنية كبرى. في أزمة النفط عام 1973، تباطأت موجة أتمتة المصانع في الغرب لأن الطاقة الرخيصة كانت الافتراض الضمني وراء كل حساب. اليوم يتكرر المشهد بممثلين مختلفين.

أزمة هرمز والهيليوم: المادة التي توقف عندها السباق

لماذا لم تُعِد شركات الرقائق تنويع مصادر الهيليوم بعد أزمتَي 2017 و2019؟

الجواب المزعج: لأن الأسواق لا تدفع ثمن التنويع في وقت الرخاء. قطر كانت المورد الأرخص والأكثر موثوقية، إذ تُنتج وفق تقديرات صناعية ما بين 25% و30% من إمدادات الهيليوم العالمية. حين أغلق هرمز، توقف هذا الكم الهائل عن الوصول إلى مصانع كوريا الجنوبية وتايوان واليابان.

Samsung وSK Hynix، العمودان الفقريان لإنتاج ذاكرة HBM التي تحتاجها رقائق الذكاء الاصطناعي، يمتلكان وفق تقديرات صناعية مخزوناً يكفي لعدة أشهر. بعدها تبدأ التقنينات الإنتاجية. وتقنين الإنتاج في صناعة الرقائق لا يعني خفضاً خطياً بسيطاً، بل يعني أولويات صعبة: أي رقائق تُنتج أولاً؟ رقائق الهواتف الذكية الأرخص أم رقائق GPU باهظة الثمن للذكاء الاصطناعي؟

هذا وحده يكفي.

AMD حذّرت في تصريحات نقلتها Reuters من زيادة 10% في أسعار وحدات المعالجة الرسومية خلال 2026 بسبب تضخم تكاليف ذاكرة HBM. أما منصات Nvidia H200 فقد وصلت أسعارها إلى مستويات قياسية وفق ما رصدته IntuitionLabs، في سوق كانت أصلاً تعاني من شح الإمدادات قبل الأزمة.

الأثر لا يتوقف عند رقائق GPU. أقراص التخزين عالية السعة التي تزيد على 10 تيرابايت تُصنع هي الأخرى باستخدام الهيليوم لتقليل الاحتكاك وزيادة كثافة البيانات. هذه الأقراص هي البنية التحتية التي تُخزّن عليها مجموعات البيانات الضخمة اللازمة لتدريب النماذج. شركات مثل Seagate وWestern Digital أعلنت أن إنتاجها لعام 2026 محجوز بالكامل، وأن أسعار الأقراص عالية السعة ارتفعت بشكل ملحوظ منذ بدء الأزمة. بمعنى آخر، نقص الهيليوم لا يُبطئ فقط إنتاج الرقائق التي تُعالج البيانات، بل يُقيّد أيضاً البنية التي تحفظها.

شركات الذكاء الاصطناعي تجد نفسها في مأزق لم تختره. التدريب على نماذج الجيل الجديد يحتاج عشرات الآلاف من رقائق متقدمة. نقص الرقائق يعني إما التأجيل أو القبول بتكاليف أعلى. كلا الخيارين يُعيد رسم خريطة من يستطيع الاستمرار في هذا السباق، ومن يُضطر إلى الانتظار على الهامش.

الصين: من متضرر إلى مستفيد

المفارقة أن الصين، أكبر مستورد للطاقة الخليجية، تحوّلت الأزمة في يدها من تهديد إلى فرصة.

بكين فاوضت طهران على ممرات ملاحة آمنة لناقلاتها حصرياً، وهو ما وثّقته تقارير بحثية وتحليلات جيوسياسية متعددة. هذا الترتيب يُبقي إمدادات الطاقة الصينية تتدفق بينما تعاني الدول الغربية من الانقطاع. الميزة الجيوسياسية تتحول مباشرة إلى ميزة اقتصادية: مصانع الرقائق الصينية تعمل، فيما نظيراتها الغربية تُعاني.

تشير تقديرات صناعية إلى أن Huawei قد تستهدف إنتاج نحو 1.6 مليون رقاقة ذكاء اصطناعي من طراز Ascend خلال 2026، قفزة كبيرة مقارنة بإنتاجها في 2025. لكن هذه الأرقام تحتاج قراءة نقدية: رقاقة Ascend 950 لا تزال وفق تحليلات تقنية متخصصة تمثل نسبة متواضعة من أداء نظيراتها في Nvidia. الفجوة التقنية حقيقية، لكن الفجوة في الإمدادات قد تُضيّقها بطريقة لم تكن ممكنة في ظروف الاستقرار.

بل إن الأزمة قدّمت للصين ما لم تستطع سنوات من العقوبات الأمريكية تحقيقه: مبرراً شعبياً ودولياً للاستثمار في الاكتفاء الذاتي التقني. حين يُصبح الاعتماد على سلاسل التوريد الغربية خطراً وجودياً، يصبح كل يوان يُضخ في SMIC استثماراً استراتيجياً لا مجرد إنفاق تقني. والمفارقة الأكبر أن العقوبات الأمريكية التي أرادت إبطاء التقنية الصينية، تجد نفسها اليوم في سياق تسريع قسري لم يكن في الحسبان.

الخليج أمام مفارقة لم يخطط لها أحد

دول الخليج تواجه مفارقة لا تبدو على السطح. هي مصدر الطاقة التي يحتاجها العالم لتشغيل الذكاء الاصطناعي، وهي في الوقت ذاته عاجزة عن تصدير هذه الطاقة بسبب الحرب الدائرة على أعتابها.

فالإمارات والسعودية، اللتان ضختا استثمارات ضخمة في مشاريع ذكاء اصطناعي طموحة ومراكز بيانات في أبوظبي والرياض، تجدان نفسيهما أمام تأخيرات في تسليم المعدات التكنولوجية الحساسة التي تعبر معظمها عبر هرمز. ووفق تقييمات قانونية متخصصة نشرتها DWF Group، بدأت شركات كثيرة تتذرع بـ”القوة القاهرة” في عقود التوريد كمخرج قانوني من الالتزامات التعاقدية، مما يُضيف أزمة قانونية فوق اللوجستية.

لكن الأزمة تُسرّع في الوقت ذاته قرارات كانت تُؤجَّل. الاستثمار في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي العابر للحدود بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. دول الخليج التي تملك إشعاعاً شمسياً هائلاً وأراضي واسعة وإمكانات تمويل كبيرة، قد تجد في هذه الأزمة حافزاً لتحويل نفسها من مُصدِّر للوقود الأحفوري إلى مُصدِّر للطاقة النظيفة.

والأهم من ذلك أن دول الخليج تملك ورقة لم تستثمرها بعد: الموقع الجغرافي الذي جعلها ضحية للأزمة يمكن أن يُحوّلها بقرارات استثمارية صحيحة إلى محور إقليمي لمراكز البيانات التي تخدم أوروبا وآسيا وأفريقيا في آنٍ واحد. من يبني اليوم بنية تحتية للطاقة النظيفة ومراكز بيانات متكاملة، يحجز مقعداً في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية لعقود مقبلة بدل أن يظل مورداً للوقود الذي يُشغّل مقاعد الآخرين.

ما تكشفه الأزمة عن وهم اللامادية

الذكاء الاصطناعي يُقدَّم في الخطاب السائد كتقنية غير مادية، كيان رقمي يعيش في السحابة بعيداً عن قيود الجغرافيا والموارد. أزمة هرمز تُفكّك هذا الوهم.

كل نموذج لغوي كبير هو في جوهره مصنع ضخم يحتاج طاقة هائلة وقِطعاً دقيقة لا تُصنع إلا في أماكن محددة بمواد لا تتوفر في كل مكان. هشاشة هذه البنية لم تكن سراً على المتخصصين، لكن سنوات من النمو المتواصل وأسعار الطاقة المستقرة أعطت وهم المتانة وأخّرت السؤال الحقيقي.

الدرس الاقتصادي ليس جديداً: الكفاءة والتركيز الجغرافي يُنتجان هشاشة. والهشاشة تُصبح أزمة حين يتعرض الافتراض الضمني للاختبار. اقتصاد الذكاء الاصطناعي بنى افتراضاته على استقرار لم يضمنه أحد، وعلى موارد تمر عبر ممر بحري لم يُحسب في أي خطة مخاطر جدية.

من يخرج رابحاً من هذه الأزمة ليس من يمتلك أقوى النماذج اليوم، بل من يضمن استمرارية الوصول إلى الطاقة والرقائق غداً. هذا يُعيد تعريف ما معنى القوة في سباق الذكاء الاصطناعي: لم تعد القوة في الخوارزمية وحدها، بل في السيطرة على سلسلة الموارد التي تُشغّلها.

ما يبقى معلقاً: هل تكفي هذه الصدمة لإعادة هيكلة حقيقية في سلاسل التوريد التقنية؟ أم أن ذاكرة الأسواق قصيرة كما هي عادتها، وما إن يُفتح المضيق حتى تعود المصانع إلى الاعتماد على المورد الأرخص بصرف النظر عن المخاطر؟