لماذا غرّمت أوروبا Google بـ890 مليون يورو في 2026؟ شرح مخالفات قانون الأسواق الرقمية

في الثالث والعشرين من يوليوز 2026، أصدرت المفوضية الأوروبية أول قرار عقابي بحق Google بموجب قانون الأسواق الرقمية (Digital Markets Act)، بغرامة إجمالية بلغت 890 مليون يورو، وهي أكبر غرامة تفرضها المفوضية حتى الآن بموجب هذا القانون تحديداً. هذا القرار يختلف جوهرياً عن غرامة حماية البيانات البالغة 403 ملايين يورو التي فرضتها هيئة آيرلندية منفصلة قبل ذلك بأسابيع، إذ يستند إلى إطار قانوني مختلف كلياً: لا حماية البيانات الشخصية هذه المرة، بل تنظيم المنافسة في الأسواق الرقمية نفسها.

القرار لم يكن مخالفة واحدة، بل مخالفتين منفصلتين تماماً من حيث الوقائع والأساس القانوني، جرى الفصل فيهما بقرارين مستقلين حملا غرامتين متمايزتين: 460 مليون يورو عن الأولى، و430 مليون يورو عن الثانية.

ما هو قانون الأسواق الرقمية، ولماذا يخص Google تحديداً

اقترحت المفوضية الأوروبية هذا القانون للمرة الأولى أواخر 2020، وأصبح نافذاً وقابلاً للتطبيق الفعلي سنة 2024. يقوم القانون على فكرة مختلفة عن قوانين المنافسة التقليدية: بدل انتظار وقوع ضرر فعلي مثبت ثم التحقيق فيه بأثر رجعي، يصنّف القانون مسبقاً منصات تقنية كبرى بعينها كـ”حارسات بوابة” (Gatekeepers)، وهي تسمية قانونية دقيقة تشمل شركات مثل Alphabet وApple وMeta، ويفرض عليها مسبقاً التزامات سلوكية محددة يجب الامتثال لها بشكل استباقي، لا بعد إثبات الضرر.

من بين هذه الالتزامات، يُلزم القانون صراحة الشركات المصنفة كحارسات بوابة بعدم معاملة خدماتها الخاصة بشكل تفضيلي في الترتيب مقارنة بخدمات الأطراف الثالثة، ويوجب عليها تطبيق شروط ترتيب شفافة وعادلة وغير تمييزية. هذا الالتزام بالذات هو ما شكّل جوهر المخالفة الأولى التي أثبتتها المفوضية بحق Google.

المخالفة الأولى: تفضيل خدمات Google داخل محرك بحثها نفسه

خلصت المفوضية إلى أن Google منحت معاملة تفضيلية لخدماتها الخاصة، من بينها خدمات التسوق والفنادق والنقل ونتائج الرياضة، مقارنة بخدمات الأطراف الثالثة داخل نتائج بحث Google نفسها، وهو ما يشكل خرقاً مباشراً لالتزامات الشركة بموجب القانون. هذه المخالفة بالتحديد تمس جوهر النموذج التجاري لمحرك البحث نفسه: حين يبحث مستخدم عن فندق أو منتج، فإن الترتيب الذي يظهر أمامه ليس نتيجة معايير محايدة بحتة، بل قد يعكس، وفق ما أثبتته المفوضية، تفضيلاً بنيوياً لخدمات Google الخاصة على حساب منافسيها الذين يعتمدون على محرك البحث نفسه للوصول إلى المستخدمين. غرامة هذه المخالفة وحدها بلغت 460 مليون يورو.

المخالفة الثانية: تقييد التوجيه خارج متجر Google Play

المخالفة الثانية تتعلق بممارسة مختلفة تماماً: قيود فرضتها Google على مطوري التطبيقات، منعتهم من توجيه المستخدمين مباشرة نحو قنوات شراء بديلة، غالباً ما تكون أرخص، خارج متجر Google Play نفسه. بموجب القواعد القديمة، لو بنى مطور تطبيقاً للتداول المالي مثلاً وأراد إخبار مستخدميه بإمكانية الاشتراك برسوم أقل عبر الموقع الإلكتروني مباشرة بدل التطبيق، كان بإمكان Google منع هذا النوع من التواصل صراحة. هذه الممارسة، المعروفة قانونياً باسم “تقييد التوجيه” (Anti-Steering)، تشكل الشطر الثاني من القرار، بغرامة بلغت 430 مليون يورو.

الأثر العملي لهذه المخالفة تحديداً يتجاوز المطورين العاديين إلى قطاع بأكمله: منصات التداول والوساطة المالية والتطبيقات المالية الموزعة على أندرويد كانت من أكثر المتضررين من هذا التقييد سابقاً، وبإزالته بموجب هذا القرار، أصبح بإمكان هذه المنصات توجيه مستخدميها نحو قنوات دفع خارجية أرخص، وهو تغيير تشغيلي مباشر يمس نموذج الإيرادات الذي اعتمدت عليه Google طويلاً عبر عمولات المتجر.

غرامة Google بـ890 مليون يورو

أول تطبيق فعلي لقانون الأسواق الرقمية

460M€
تفضيل خدمات Google الخاصة في نتائج البحث
430M€
تقييد التوجيه لدفع أرخص خارج Google Play
المهلة
60 يوماً للامتثال، وإلا عقوبات دورية متصاعدة
إجمالي التزامات Google في أوروبا
يتجاوز 10 مليارات يورو تراكمياً بين DMA وGDPR وAdTech

ليست المرة الأولى: سابقة آبل قبل عام واحد

هذا القرار ليس أول تطبيق فعلي لقانون الأسواق الرقمية، إذ سبق للمفوضية أن استخدمت القانون نفسه ضد Apple، بغرامة بلغت 200 مليون يورو سنة 2025 عن سلوك مشابه في تقييد التوجيه داخل متجر التطبيقات الخاص بها. هذا التكرار يكشف نمطاً تنظيمياً واضحاً: المفوضية لا تستهدف شركة بعينها، بل تطبق المعيار القانوني نفسه على كل منصة مصنفة كحارسة بوابة، بصرف النظر عن هويتها، وهو ما يعزز حجة المفوضية بأن القانون تطبيق محايد لقواعد منافسة عامة، لا استهداف انتقائي لشركة أمريكية بعينها.

البعد السياسي: من نزاع تنظيمي إلى احتكاك تجاري عابر للأطلسي

القرار لم يبقَ حبيس الإطار القانوني البحت. الإدارة الأمريكية وصفت هذا النوع من الإجراءات التنظيمية الأوروبية بأنه شكل من أشكال “الضريبة” المفروضة على شركات التقنية الأمريكية، وهددت بفرض رسوم جمركية إضافية كبيرة رداً على هذا النوع من القرارات، محوّلة قضية منافسة تقنية بحتة إلى نقطة احتكاك تجاري مباشر بين واشنطن وبروكسل. تقرير التمثيل التجاري الأمريكي لسنة 2026 بشأن الحواجز التجارية الخارجية أشار صراحة إلى أن قانون الأسواق الرقمية يفرض أعباء امتثال كبيرة وقد يقيد وصول شركات الخدمات الرقمية الأمريكية إلى السوق الأوروبية، لافتاً إلى أن معايير التصنيف كـ”حارسة بوابة” تستهدف عملياً شركات تقنية أمريكية كبرى في الغالب.

الجانب الأوروبي يرفض هذا التوصيف، مؤكداً أن القانون يطبَّق بمعيار موحد على أي شركة تستوفي شروط التصنيف بصرف النظر عن جنسيتها، وأن الإجراء تطبيق روتيني لقواعد منافسة عامة، لا سياسة تجارية متخفية في ثوب تنظيمي. هذا الخلاف التفسيري نفسه، حول ما إذا كان تطبيق القانون محايداً فعلاً أم منحازاً بحكم طبيعة الشركات المستهدفة أصلاً، يبقى نقطة توتر مفتوحة لم تُحسم قانونياً ولا سياسياً حتى تاريخ نشر هذا المقال.

هل الغرامة رادعة فعلاً أم مجرد كلفة تشغيلية؟

جاء القرار بعد يوم واحد فقط من إعلان شركة Alphabet، الشركة الأم لـ Google، عن نتائجها المالية ورفعها توقعات إنفاقها الرأسمالي إلى ما يصل إلى 205 مليار دولار خلال السنة نفسها، وهو ما يضع غرامة بقيمة 890 مليون يورو في سياق حجمها الفعلي مقارنة بميزانية شركة بهذا الحجم. هذا التفاوت الصارخ دفع النائبة الألمانية في البرلمان الأوروبي أليكساندرا غيزه، المتخصصة في السياسة الرقمية، إلى التعليق بعبارة لاذعة مفادها أن كثيرين سيفضلون التهرب من دفع تذكرة النقل إن كانت الغرامة المحتملة أرخص من ثمن التذكرة نفسها، في إشارة إلى أن حجم الغرامة، مهما بدا ضخماً بالأرقام المطلقة، قد لا يكفي لردع شركة بحجم Alphabet عن تكرار السلوك نفسه مستقبلاً.

من جهتها، حذّرت Google من أن الامتثال الكامل لهذا القرار قد يضطرها لإزالة ميزات بحث فوري تحظى بشعبية واسعة لدى المستخدمين الأوروبيين، وإضعاف بعض إجراءات الحماية والأمان المطبقة داخل متجر Google Play، مؤكدة في الوقت نفسه أنها لا تزال في محادثات بناءة مع المفوضية لتفادي غرامات إضافية. المفوضية منحت الشركة مهلة 60 يوماً للامتثال الفعلي، وإلا واجهت عقوبات دورية متصاعدة تُفرض تلقائياً كلما استمر عدم الامتثال.

الصورة الأوسع: التزامات Google المتراكمة في أوروبا

هذا القرار يرفع إجمالي الغرامات التنظيمية التي تواجهها Google في الاتحاد الأوروبي إلى ما يتجاوز 10 مليارات يورو تراكمياً، إذا احتُسبت معه غرامة سابقة بقيمة 2.95 مليار يورو فرضتها المفوضية في شتنبر 2025 إثر تحقيق مطول في ممارسات الشركة داخل قطاع تقنيات الإعلانات الرقمية (AdTech)، إضافة إلى غرامة حماية البيانات الأخيرة البالغة 403 ملايين يورو الصادرة عن هيئة منفصلة تماماً. هذا التراكم يكشف أن Google لم تعد تواجه قضية تنظيمية معزولة في أوروبا، بل جبهات متعددة ومتوازية: قانون حماية البيانات من جهة، وقانون المنافسة التقليدي من جهة، وقانون الأسواق الرقمية الجديد من جهة ثالثة، كل واحد منها يستهدف جانباً مختلفاً من نموذج أعمال الشركة، لكنها مجتمعة ترسم صورة واضحة لتشديد تنظيمي أوروبي متصاعد تجاه عمالقة التقنية، لا حادثة عقابية معزولة يمكن اعتبارها استثناءً عابراً.

الأسئلة الشائعة

ما هو قانون الأسواق الرقمية (DMA)؟

قانون أوروبي أصبح نافذاً سنة 2024، يصنّف منصات تقنية كبرى مسبقاً كـ”حارسات بوابة” (مثل Alphabet وApple وMeta)، ويفرض عليها التزامات سلوكية استباقية دون انتظار إثبات ضرر فعلي كما في قوانين المنافسة التقليدية.

ما الفرق بين هذه الغرامة وغرامة الـ403 مليون يورو السابقة؟

غرامة 403 مليون يورو صدرت عن هيئة آيرلندية منفصلة بموجب قانون حماية البيانات (GDPR) بخصوص بيانات الموقع الجغرافي. غرامة 890 مليون يورو صدرت عن المفوضية الأوروبية بموجب قانون مختلف كلياً يخص تنظيم المنافسة في الأسواق الرقمية.

ما هي المخالفتان تحديداً؟

تفضيل Google لخدماتها الخاصة (التسوق، الفنادق، النقل، الرياضة) في نتائج البحث بغرامة 460 مليون يورو، ومنع مطوري التطبيقات من توجيه المستخدمين نحو قنوات دفع أرخص خارج متجر Google Play بغرامة 430 مليون يورو.

هل هذه أول مرة يُطبَّق فيها هذا القانون؟

لا، لكنها أكبر غرامة تفرضها المفوضية بموجبه حتى الآن. سبق تطبيقه ضد Apple بغرامة 200 مليون يورو سنة 2025 لسلوك مشابه في متجر التطبيقات.

كم مهلة Google للامتثال؟

60 يوماً من تاريخ القرار، وإلا تواجه عقوبات دورية متصاعدة تُفرض تلقائياً مع استمرار عدم الامتثال.

كم إجمالي الغرامات التي تواجهها Google في أوروبا حالياً؟

يتجاوز 10 مليارات يورو تراكمياً، إذا احتُسبت معها غرامة AdTech البالغة 2.95 مليار يورو (شتنبر 2025) وغرامة حماية البيانات البالغة 403 ملايين يورو.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 136