سباق الطاقة ليس انتقالاً بيئياً. هو إعادة توزيع للقوة الاقتصادية والسياسية، وتحديد من سيمتلك أدوات الإنتاج في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.
في أكتوبر 2023، أعلنت أرامكو السعودية عن خطة استثمارية في الطاقة النظيفة تتجاوز مئة مليار دولار بحلول 2030، وفي الأسبوع ذاته صوّتت المملكة داخل أوبك+ لرفع سقف الإنتاج النفطي. مرّ الخبران في معظم التغطيات كحدثَين منفصلَين. لكن من يقرأهما معاً يجد فيهما صورة مكثفة عن المعضلة الجوهرية التي تعيشها الدول العربية في سباق الطاقة العالمي : ثروة تستلزم الحفاظ عليها، ومستقبل يستلزم تجاوزها، وكلاهما يطالب بالأولوية في الوقت نفسه.
هذا التناقض ليس عربياً خالصاً. هو الصورة المصغّرة لسباق طاقة عالمي يُعيد توزيع القوة الاقتصادية والسياسية على مستوى الكوكب، ويحدد من سيمتلك أدوات الإنتاج في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين. وهو في جوهره ليس انتقالاً بيئياً رغم أن هذه الرواية مريحة سياسياً، بل إعادة رسم لخرائط النفوذ بأدوات جديدة.
لماذا الكهرباء نموذج سلطة لا مجرد طاقة
حين أطلق لينين عام 1920 شعاره الشهير “الشيوعية تساوي السوفييت زائد الكهرباء”، لم يكن يتحدث عن سياسة طاقة. كان يتحدث عن نموذج سلطة. من يتحكم في توليد الكهرباء يتحكم في إيقاع الحياة الاقتصادية والاجتماعية بأسرها. الفكرة عادت اليوم بصياغة مختلفة وأدوات أكثر تعقيداً.
الكهرباء في القرن الحادي والعشرين مدخل لكل شيء: تشغيل مراكز البيانات التي تُدير الذكاء الاصطناعي، شحن المركبات التي تُحرّك الاقتصاد، تحلية المياه التي تروي المدن، وتغذية الشبكات الذكية التي تربط البنية التحتية الرقمية. الدولة التي تُنتج كهرباءها بتكلفة منخفضة ومن مصادر تسيطر عليها تملك ميزة تنافسية هيكلية لا تُعوَّض بالمال وحده.
النفط كان يمنح صاحبه قوة في السوق. الكهرباء تمنح صاحبها قوة في البنية. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يبيع وقوداً ومن يصنع الآلة. الدولة النفطية تبيع مرة وتنتظر السعر. الدولة الكهربائية تبني منظومة تتضاعف قيمتها مع كل طبقة تُضاف إليها.
الصين: المكدّس الكهربائي الكامل
وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر عام 2024، تستحوذ الصين على أكثر من ستين بالمئة من الطاقة التصنيعية العالمية للألواح الشمسية، وتُنتج أكثر من نصف المركبات الكهربائية في العالم، وتستثمر في البنية التحتية للشبكات الذكية بمعدلات تفوق مجموع ما تستثمره أوروبا وأمريكا مجتمعتَين.
لكن الأرقام وحدها لا تُلخّص ما فعلته الصين. ما فعلته هو بناء “المكدّس الكهربائي الكامل”: سلسلة إمداد مغلقة تبدأ من تعدين المعادن النادرة، تمر بتصنيع الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم والمركبات الكهربائية، وتنتهي بتصدير المنظومة بأسرها إلى بقية العالم. من يشتري من الصين لا يشتري منتجاً، بل يدخل في تبعية سلسلة إمداد يصعب الخروج منها لاحقاً.
الأهم أن الصين لم تنتظر السوق ليقرر. قرّرت مبكراً أن تقود، وقبلت خسارة المال في المراحل الأولى لبناء تفوّق صناعي يصعب اللحاق به. تكلفة الألواح الشمسية الصينية انخفضت بأكثر من تسعين بالمئة خلال عقد واحد، وهو انخفاض لم يكن ممكناً لولا دعم حكومي استراتيجي ورؤية صناعية ممتدة تتجاوز دورات الانتخاب. هذه الاستراتيجية لم تُصَغ في وثيقة واحدة، بل تراكمت عبر قرارات متواصلة على عقدين كاملين.
أمريكا: قوة انتقالية في بيئة متقلبة
الولايات المتحدة ليست غائبة عن سباق الطاقة. قانون خفض التضخم لعام 2022 ضخّ ما يزيد على ثلاثمئة وستين مليار دولار في دعم الطاقة النظيفة، وأطلق موجة استثمار صناعي في تصنيع البطاريات وتوربينات الرياح والألواح الشمسية على التراب الأمريكي. شركات مثل Tesla وFirst Solar أعادت تعريف ما يعنيه أن تكون دولة صناعية في عصر الطاقة الجديدة.
لكن المشكلة الأمريكية بنيوية. السياسة الطاقوية تتأرجح مع كل دورة انتخابية، ومنظومة الدولار النفطي التي بنتها واشنطن منذ سبعينيات القرن الماضي لا تزال تُشكّل جزءاً من هويتها الاستراتيجية يصعب التخلي عنه. إدارة تُطلق أكبر حزمة دعم للطاقة النظيفة في التاريخ الأمريكي، وتليها إدارة تُعيد الاعتبار للنفط وتتراجع عن بعض الالتزامات المناخية، هذا ليس تذبذباً طارئاً بل انعكاس لتناقض بنيوي داخل النموذج الاقتصادي الأمريكي نفسه.
وفق تقرير مجلس العلاقات الخارجية الصادر عام 2023، تتفوق الصين على أمريكا في عشرة من أصل أربعة عشر تقنية طاقة نظيفة محورية. الفجوة تتسع لا تضيق. أمريكا تُريد الفوز في سباق الطاقة الجديد دون أن تُفرّط في أوراق النظام القديم، وهو رهان يستلزم اتساقاً استراتيجياً لم تُثبته بعد.
أوروبا: الإرادة بلا سلاسل إمداد
أوروبا أعلنت أهدافاً طموحة للتحوّل الطاقوي وسنّت تشريعات صارمة، لكنها تواجه معضلة بنيوية حادة: تبعية سلاسل الإمداد للصين في المكونات الأساسية. ما يزيد على ثمانين بالمئة من الألواح الشمسية المستخدمة في أوروبا صينية المصدر، وكذلك نسبة كبيرة من بطاريات المركبات الكهربائية.
الاتحاد الأوروبي أطلق قانون صناعة الطاقة النظيفة عام 2023 لتقليص هذه التبعية واستعادة قدر من السيادة الصناعية، لكن بناء سلاسل إمداد محلية يستلزم عقداً كاملاً في أحسن تقدير وأموالاً ضخمة لا تتوفر بسهولة في بيئة اقتصادية تعاني من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة. أوروبا تملك الإرادة السياسية والتشريعية، لكنها تفتقر إلى المنظومة الصناعية التي تجعل هذه الإرادة قابلة للتنفيذ المستقل.
الوضع الأوروبي يحمل درساً مباشراً للدول العربية: الإعلان عن الأهداف لا يُعوّض غياب السياسة الصناعية، والاستثمار في البنية التحتية لا يكفي إذا ظلت سلاسل الإمداد خارج السيطرة.
العرب في المعادلة: بين مورّد الأمس وعميل الغد
الدول العربية المنتجة للنفط تعيش تناقضاً مركّباً. هي المورّد الأساسي للطاقة التي تُشغّل المصانع الصينية التي تُنتج التقنيات التي ستُقلّص الطلب على ما تبيعه. هذه المعادلة ليست مجازاً، بل توصيف دقيق للعلاقة بين النفط الخليجي والصناعة الصينية في المرحلة الراهنة.
دول الخليج تستثمر في سباق الطاقة الجديد بأحجام ضخمة. السعودية رصدت مئة مليار دولار للطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي. الإمارات تُشغّل محطة براكة النووية وتستضيف مقرات الشركات التقنية الكبرى وتُطوّر نماذج ذكاء اصطناعي محلية. قطر تُموضع غازها الطبيعي المسال جسراً ضرورياً في مرحلة الانتقال. وما يجري في منطقة هرمز من ديناميكيات طاقة وجيوسياسة يجعل هذا التموضع أكثر تعقيداً مما تصوّره الخطابات الرسمية.
المشكلة أن الاستثمار الخليجي في الطاقة الجديدة يظل في معظمه استثماراً في البنية التحتية لا في القدرة الإنتاجية. من يملك المحطة الشمسية يختلف جوهرياً عمّن يصنع ألواحها. ومن يستضيف مركز بيانات يختلف عمّن يُصمّم الرقائق التي تُشغّله. والفجوة بين الاستهلاك التقني والإنتاج التقني في العالم العربي تُلخّص هذا التحدي بدقة وتجعله ملفاً هيكلياً لا مجرد تقصير مؤقت.
مصر تمتلك مقومات جغرافية استثنائية للطاقة المتجددة لكن أزمة ديونها الخارجية تُضيّق هامش الاستثمار. الجزائر تمتلك صحراء شاسعة وإشعاعاً شمسياً من بين الأعلى عالمياً لكن اقتصادها لا يزال رهيناً لعائدات الهيدروكربونات بعد عقود من خطط التنويع المُعلنة. العراق يُصدّر نفطاً بمليارات الدولارات ويستورد الكهرباء من إيران. الثروة الطاقوية في هذه الدول لم تُترجَم إلى قدرة إنتاجية في أي نموذج، لا القديم ولا الجديد.
المغرب وحده يقدّم النموذج المغاير. دولة لا تملك نفطاً اضطرّت إلى بناء قدرة إنتاجية في مكونات الطاقة الشمسية وكابلات البنية التحتية لأن الضرورة لم تترك لها خيار الاستيراد المريح. النتيجة أنها اليوم تُموضع نفسها مزوّداً في سلاسل الإمداد الأوروبية لا مستهلكاً فيها. الضرورة صنعت ما لم تصنعه الثروة.
ثلاثة مسارات في سباق الطاقة العالمي
سباق الطاقة العالمي لا يسير نحو نموذج واحد. ثلاثة مسارات تتشكّل في آنٍ واحد وستحدد ملامح النظام الطاقوي بحلول 2040.
المسار الأول هو مسار الاكتفاء الذاتي الصناعي، وتقوده الصين بامتياز مع محاولات أمريكية وأوروبية للحاق به. الدول التي تسلكه تبني سلاسل إمداد محلية كاملة من التعدين إلى التصنيع إلى التصدير، وتُصدّر المنظومة لا المنتج. الدخول إلى هذا المسار بعد اليوم بات مكلفاً لأن الصين أقامت حواجز تنافسية بالتكلفة والحجم يصعب تجاوزها. لكن الأمر ليس مستحيلاً لمن يمتلك سياسة صناعية واضحة وصبراً استراتيجياً يتجاوز دورة الحكومة الواحدة.
المسار الثاني هو مسار التموضع الانتقالي الذكي، وتحاول دول الخليج الغنية سلوكه. الفكرة هي استخدام عائدات النفط لتمويل التحوّل الطاقوي والرقمي مع الحفاظ على الحصة السوقية النفطية ما أمكن، وبناء شراكات استراتيجية مع القوتين الكبريين في آنٍ واحد. هذا رهان ذكي إذا نجح التوقيت، لكنه ينطوي على مخاطر حقيقية: التحوّط بين المعسكرين التقنيين له سقف زمني، وحين تتحدد معايير البنية التحتية الرقمية والطاقوية سيصبح الوقوف في المنتصف مكلفاً بصورة متصاعدة.
المسار الثالث هو مسار الفرصة الضائعة، وتسلكه دول تملك المقومات الجغرافية والموارد لكنها تفتقر إلى السياسة الصناعية المتسقة والإرادة السياسية لمواجهة البنى الريعية التي تُعيق التحوّل. مصر والجزائر والعراق أمثلة حاضرة. الخطر في هذا المسار أنه لا يبدو كارثياً في الأمد القصير، فالنفط والغاز لا يزالان يُدرّان عائدات، لكنه يتراكم بصمت حتى يُغلق نافذة التحوّل من الداخل.
سباق الطاقة العالمي: ما لا يقوله أحد بوضوح
سباق الطاقة ليس سباقاً نحو طاقة نظيفة. هو سباق لتحديد من سيمتلك أدوات الإنتاج في الاقتصاد القادم. الدول التي تفهم هذا الفرق تبني مصانع ومعاهد بحث وسياسات صناعية. الدول التي لا تفهمه تبني محطات شمسية وتُعلن أرقام استثمار وتُسمّي ذلك تحوّلاً.
الخطأ الاستراتيجي الأكثر شيوعاً في الخطاب العربي هو معالجة سباق الطاقة بوصفه تحدياً بيئياً أو فرصة استثمارية. هو في جوهره تحوّل في بنية القوة الدولية. ومن لا يقرأه بهذه العدسة سيجد نفسه بعد عقد في موقع من باع النفط لمن يبيعه اليوم البديل، ثم اشترى البديل من المشتري القديم بشروط جديدة.
النافذة لم تُغلق بعد. لكن من يُؤخّر القرار الصناعي الحقيقي عقداً آخر قد يجد أن المعايير التقنية وسلاسل الإمداد قد تحجّرت بما يجعل الدخول إليها مكلفاً لدرجة الاستحالة العملية. الفرق بين من يدخل السباق اليوم ومن يدخله بعد عشر سنوات ليس فرقاً في التوقيت. هو فرق في طبيعة الدور المتاح.



