قانون الذكاء الاصطناعي في مصر: ثلاثة دوافع معلنة وفجوة تنفيذ لم تُغلق بعد

في الرابع والعشرين من فبراير 2026، اجتمعت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب المصري بحضور عدد من الوزراء، من بينهم وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان ووزيرة الثقافة جيهان زكي ووزير الأوقاف أسامة الأزهري. أعلن النائب أحمد بدوي، رئيس اللجنة، أن الدولة تُعِدّ قانون الذكاء الاصطناعي في مصر لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة. الإعلان حمل نبرة حاسمة، لكن ما تلاه خلال الأشهر التالية كشف صورة مختلفة تماماً عن قانون واحد شامل.

بدلاً من نص تشريعي موحّد، أنتج البرلمان المصري خلال 2026 مساراً متشعباً من المبادرات المنفصلة. في مايو، تقدمت النائبة إنجي أنور بمشروع قانون لمواجهة التشهير الرقمي باستخدام الذكاء الاصطناعي. وفي أغسطس، طرح النائب مصطفى البهي مشروع قانون آخر بعنوان “حماية الطفل من المؤثر الرقمي وتنظيم وسائل التواصل الرقمية”، يتكون من سبعة أبواب و54 مادة، ويستهدف بين أهدافه مواجهة تقنيات التزييف العميق. ثلاث مبادرات، ثلاثة مقدّمين، وثلاثة أطر زمنية متفرقة. لا واحد منها يحمل صفة القانون الشامل الذي وعد به بدوي في فبراير.

الفجوة بين الدوافع الثلاثة وواقع التنفيذ

القراءة المتأنية لخلفية هذا الملف تكشف أن الدوافع المعلنة للتشريع كانت واضحة منذ البداية وتتوزع على ثلاثة محاور. الأول حماية الخصوصية في مواجهة التوسع في أنظمة التعرف على الوجه والبيانات الحيوية، وهو محور تغذيه شكاوى متصاعدة حول استخدام هذه الأنظمة في المرافق العامة دون إطار قانوني واضح يحدد شروط الجمع والاحتفاظ بالبيانات. الثاني مواجهة تقنيات التزييف العميق التي باتت أداة فعلية للتضليل والابتزاز، وهو ما عكسته مبادرتا أنور والبهي بشكل مباشر. الثالث تنظيم العلاقة بين الأتمتة وسوق العمل، لضمان ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تسريح دون بدائل تدريبية، وهذا هو المحور الأضعف حضوراً في أي من المشروعات المطروحة حتى الآن.

المشكلة ليست في غياب الوعي التشريعي بالمحاور الثلاثة، فالنقاش البرلماني حولها حاضر وموثق. المشكلة أعمق: لا يوجد حتى تاريخ كتابة هذا المقال نص منشور يحدد الجهة التنظيمية المسؤولة عن الإشراف على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولا آلية عقوبات محددة، ولا جدول زمني ملزم للتنفيذ. الإعلانات السياسية سبقت البنية المؤسسية. وهذا بالضبط هو الفارق الجوهري بين الإعلان عن نية تشريعية وبين وجود تشريع نافذ قابل للتطبيق أمام القضاء.

كيف تبدو البنية التنفيذية حين تكتمل

الاتحاد الأوروبي يقدّم نموذج المقارنة الأوضح. دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز النفاذ في أغسطس 2024، لكنه لم يكتفِ بالإعلان السياسي، بل حدد جدولاً زمنياً ملزماً للتطبيق التدريجي. حظر الاستخدامات عالية الخطورة، ومنها التعرف البيومتري اللحظي في الأماكن العامة إلا في استثناءات ضيقة محددة نصاً، أصبح نافذاً منذ فبراير 2025. التزامات الشفافية الخاصة بالمحتوى الاصطناعي والتزييف العميق دخلت حيز التطبيق بحلول أغسطس 2026. الأهم أن كل دولة عضو ألزمت بتعيين سلطة رقابة وطنية للسوق، مع نظام غرامات إدارية قد تصل نسبتها إلى شريحة معينة من حجم الأعمال العالمي للمخالف. هنا لا يوجد فراغ بين النص والتنفيذ، لأن التشريع نفسه يحمل آلية إنفاذه.

المقارنة الخليجية تكشف نمطاً مختلفاً لكنه أقرب إلى سدّ الفجوة من النموذج المصري الحالي. في السعودية، لا يوجد قانون خليجي واحد شامل باسم “الذكاء الاصطناعي” أيضاً، لكن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي بنت بنية تنظيمية فعلية عبر نظام المركز العالمي للذكاء الاصطناعي ومنصة “استطلاع” التي تتيح للقطاع الخاص والجهات الحكومية التعليق رسمياً على مسودات اللوائح قبل إقرارها. هذه البنية التشاورية، رغم أنها لا تحل محل قانون موحّد، تمنح المستثمر والباحث القانوني مرجعية واضحة لمسار التنظيم القادم. في الإمارات، ميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي يبقى إطاراً أخلاقياً غير ملزم، لكنه يعمل بالتوازي مع تشريع بيانات شخصية نافذ فعلياً، بخلاف الحالة المصرية حيث لا تزال حتى الأطر غير الملزمة متناثرة بين مبادرات نيابية منفصلة لا تتحدث مع بعضها بمرجعية موحدة.

قانون الذكاء الاصطناعي: أين تقف مصر مقارنة بالعالم؟

مقارنة بين أربعة مسارات تنظيمية حتى أغسطس 2026

3 مشروعات نيابية متوازية في مصر
0 جهة رقابية موحدة معلنة
2024 دخول القانون الأوروبي حيز النفاذ
الاتحاد الأوروبي
قانون موحد نافذ تدريجياً
الجهة الرقابيةسلطات وطنية معينة
آلية العقوباتغرامات إدارية محددة
الحالةنافذ
السعودية
بنية تشاورية عبر سدايا
الجهة الرقابيةسدايا / منصة استطلاع
آلية العقوباتغير محددة بعد
الحالةتشاوري
الإمارات
ميثاق أخلاقي غير ملزم
الجهة الرقابيةغير محددة للميثاق
آلية العقوباتمقترنة بحماية البيانات فقط
الحالةاسترشادي
مصر
ثلاث مبادرات نيابية منفصلة
الجهة الرقابيةغير معلنة
آلية العقوباتغير منشورة
الحالةمتفرق

لماذا تتحول المبادرات المتوازية إلى فجوة تنفيذ

كل مشروع من المشروعات الثلاثة المطروحة في البرلمان المصري يعالج جزءاً من المشكلة، لكن أياً منها لا يعالجها كنظام متكامل. مشروع البهي يتقاطع مع مشروع أنور في معالجة التزييف العميق من زاويتين مختلفتين، الأول من زاوية حماية الطفل وتنظيم المنصات، والثاني من زاوية التشهير الرقمي، دون تنسيق معلن بين المبادرتين حول التعريفات القانونية المشتركة لما يُعد محتوى مولّداً بالذكاء الاصطناعي. وأي تعارض مستقبلي بين نصين منفصلين يعالجان الظاهرة نفسها من زاويتين سيفتح الباب أمام تنازع اختصاص قضائي حقيقي، لا مجرد إشكال نظري.

الأخطر أن المحور الثالث، وهو تنظيم علاقة الأتمتة بسوق العمل، لا يحظى بأي مشروع قانون مستقل حتى الآن رغم أنه أحد الدوافع الثلاثة المعلنة منذ البداية. غياب هذا المحور تحديداً له كلفة اقتصادية مباشرة، إذ يترك العامل المصري الذي يُستغنى عنه بقرار خوارزمي دون أي سند قانوني يطالب به بتعويض أو بإعادة تأهيل، بخلاف بعض النماذج الأوروبية التي بدأت تشترط ما يمكن تسميته التزام التفسير الخوارزمي عند اتخاذ قرارات تمس حقوق العمال.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بغياب الإرادة السياسية، فالإعلانات المتكررة من رئيس لجنة الاتصالات تؤكد عكس ذلك. السؤال يتعلق بمنطق الصياغة نفسه: هل يحتاج المشرّع المصري إلى قانون إطاري واحد يحدد الجهة التنظيمية والعقوبات ثم يترك التفاصيل القطاعية للوائح تنفيذية، على غرار ما فعله الاتحاد الأوروبي، أم أن استمرار المسار الحالي القائم على مبادرات نيابية متوازية سيُنتج في النهاية ترسانة قانونية مبعثرة أشبه بما وصفه تقرير المجتمع المدني المغربي في سياق مختلف تماماً، حين وثّق أن غياب قانون خاص يجعل نصوصاً متفرقة تُستدعى بالقياس لسد فراغ لم تُصمم أصلاً لمعالجته.

الزاوية العربية: ثلاثة مسارات وثلاث كلفات مختلفة

مقارنة المسارات الثلاثة، المصري والسعودي والإماراتي، تكشف أن غياب قانون شامل ليس ظاهرة مصرية حصرية في المنطقة العربية، لكن الفارق الحاسم يكمن في وجود أو غياب بنية تنظيمية تدير هذا الفراغ إلى حين اكتمال التشريع. السعودية عوّضت غياب القانون الموحد ببنية تشاورية مؤسسية عبر سدايا. الإمارات عوّضته بميثاق أخلاقي مقترن بحماية بيانات نافذة. مصر، حتى الآن، تعوّضه بإعلانات سياسية متتالية ومشروعات نيابية متوازية لا تتقاطع مؤسسياً. وهذا يعني أن التقاضي في نزاع فعلي ناتج عن قرار خوارزمي، سواء كان تسريحاً وظيفياً أو تشهيراً رقمياً أو انتهاكاً لبيانات بيومترية، سيظل حتى إشعار آخر متروكاً لاجتهاد القاضي في تكييف الواقعة على نصوص لم تُصمم لهذا الغرض أصلاً.

الفجوة إذن ليست في نية التشريع، بل في تحويل هذه النية إلى بنية تنفيذية قابلة للقياس: جهة رقابية مسمّاة، آلية عقوبات منشورة، وتنسيق بين المبادرات المتوازية بدلاً من تركها تتنافس على المساحة التشريعية نفسها. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى كل حديث عن قانون الذكاء الاصطناعي في مصر وعداً معلقاً بين لجنة برلمانية ومسودة لم تكتمل بعد.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 114