الخوارزميات والتشريع: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي صناعة القوانين ؟

⏱️ 7 دقيقة قراءة

في مارس 2023، صوّت مشرّعون برازيليون على مسودة قانون لتنظيم الذكاء الاصطناعي. بعد أيام، اكتشفوا أن جزءاً منها كُتب بمساعدة ChatGPT. لم تكن فضيحة بالمعنى الكلاسيكي، فالواقعة لم تُخفَ طويلاً. لكنها كشفت شيئاً أعمق: الأدوات التي يُفترض أن تنظمها القوانين بدأت تتسلل إلى صناعة القوانين نفسها.

ليست حادثة معزولة. صياغة القوانين بالذكاء الاصطناعي لم تعد سؤالاً نظرياً يُؤجَّل إلى المستقبل. إنها تجري الآن في غرف لا تصلها الكاميرات: مكاتب المستشارين القانونيين، فرق الصياغة البرلمانية، وحدات البحث التشريعي. ليس لأن الخوارزمية أصبحت مشرّعاً، بل لأنها أصبحت حاضرة في المراحل التي تسبق لحظة التصويت.

السؤال المطروح ليس “هل ستكتب الآلة القانون؟” بل كيف تُعيد أدوات الذكاء الاصطناعي ترتيب البيئة التي يُكتب فيها القانون، ومن يتحكم في هذا الترتيب.

غرفة الصياغة بعد دخول الخوارزمية

لعقود، ظلت صياغة القوانين واحدة من أكثر الممارسات القانونية مقاومة للأتمتة. السبب بسيط: النص التشريعي ليس وثيقة لغوية فحسب، بل حقل توازنات بين مصالح متضاربة. كل كلمة تحمل وزناً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. كل فاصلة قد تُحدث فرقاً في التفسير القضائي بعد سنوات.

هذه المقاومة بدأت تتآكل.

ليس من الباب الذي توقعه كثيرون. الخوارزميات لم تدخل من بوابة الكتابة النهائية. دخلت من المراحل التي تستنزف الوقت قبلها. فريق صياغة تشريعية في أي برلمان يقضي جزءاً كبيراً من عمله في مهام لا تتطلب حكماً سياسياً بقدر ما تتطلب صبراً تقنياً: مراجعة عشرات النصوص السابقة، مقارنة صياغات من تشريعات أجنبية، رصد التعارض بين مواد القانون الجديد والمنظومة القائمة، التحقق من اتساق المصطلحات عبر مئات الصفحات.

هنا وجدت أدوات مثل نماذج اللغة الكبيرة وأنظمة البحث القانوني المدعومة بالذكاء الاصطناعي مدخلها. لا لأنها تملك رأياً في السياسة العامة، بل لأنها تختصر مئات الساعات من العمل الميكانيكي إلى دقائق.

ما تفعله هذه الأدوات هو قراءة النصوص القانونية بسرعة تفوق أي فريق بشري، واستخراج أنماط منها. نظام مثل Luminance أو Harvey AI يستطيع مسح آلاف الصفحات من التشريعات واستخلاص نقاط التشابه والاختلاف، مواضع الغموض المحتملة، المواد التي قد تتعارض مع نصوص أخرى.

لكن هذا ليس فهماً بالمعنى القانوني.

الأداة لا تدرك أن مادة معينة ستُثير حفيظة قطاع صناعي بأكمله. لا تعرف أن مصطلحاً بعينه يحمل تاريخاً قضائياً معقداً في سياق محلي. ما تقدمه خريطة نصية لا خريطة سياسية. وهنا يكمن الفارق الحاسم بين الكفاءة والحكم.

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أشارت في تقريرها عن مستقبل التنظيم إلى أن الحكومات التي بدأت تُدمج أدوات ذكية في عملياتها التشريعية حققت تسريعاً ملحوظاً في مراحل البحث والمراجعة. لكنها واجهت صعوبة في ضبط الحدود بين ما تقترحه الأداة وما يقرره المشرّع.

التسريع ليس محايداً. حين تُقدّم الخوارزمية خيارات معينة وتُهمل أخرى، فهي تُعيد ترتيب أولويات الاهتمام التشريعي من دون تفويض.

حين تتنبأ الخوارزمية بمآلات القانون

البعد الأكثر إثارة لا يتعلق بقراءة النصوص بل بمحاولة التنبؤ بآثارها.

أدوات تحليل الأثر التشريعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدأت تظهر في عدة سياقات. إستونيا، التي تقدّم نفسها كمختبر رقمي أوروبي، أطلقت مشروعاً تجريبياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي يشمل أتمتة بعض القرارات في النزاعات المدنية الصغيرة. التجربة دفعت باحثين قانونيين إلى طرح سؤال أوسع: إذا كان بالإمكان أتمتة الفصل في نزاعات بسيطة، فهل يمكن أيضاً أتمتة تقدير الأثر المتوقع لنص قانوني قبل إقراره؟

تقنياً، النماذج اللغوية الكبيرة تستطيع تحليل السوابق القضائية واستخلاص أنماط: أي أنواع الصياغات ولّدت نزاعات أكثر؟ أي مصطلحات غامضة أدت إلى تفسيرات متناقضة؟ أي تشريعات مشابهة في دول أخرى أنتجت آثاراً غير مقصودة؟

هذا لا يمنح يقيناً. يمنح شيئاً لم يكن متاحاً من قبل: قراءة استباقية للنص قبل أن يدخل حيز النفاذ.

والفارق بين مشرّع يملك هذه القراءة ومشرّع لا يملكها ليس تقنياً فقط، بل يمس جودة التشريع ذاته.

النماذج اللغوية الحديثة قادرة على إنتاج مسودات أولية لنصوص قانونية. تحوّل مذكرة سياسات إلى هيكل تشريعي، تقترح صياغات بديلة لمادة واحدة، تنظّم ملاحظات متفرقة في بنية أقرب إلى المسودة.

في ذاته، هذا ليس خطيراً. فرق الصياغة تحتاج نقاط انطلاق، والأداة توفرها بسرعة. الخطر يبدأ حين يتحول الاقتراح الآلي إلى أرضية يصعب الخروج عنها.

ما يسمّيه باحثو علم القرار “تأثير التثبيت” ينطبق هنا بقوة. حين تُقدَّم مسودة جاهزة، حتى لو كانت أولية، فإنها ترسم حدود النقاش اللاحق. النقاش يصبح حول تعديل ما هو موجود لا حول إعادة التفكير من الصفر. والخوارزمية التي صاغت المسودة لم تأخذ بعين الاعتبار التوازنات السياسية ولا الحساسيات الاجتماعية ولا موازين القوى داخل اللجنة التشريعية.

المشكلة لا تبدأ هنا.

المشكلة تبدأ حين لا يعي المشرّع أنه يعمل ضمن إطار رسمته أداة لا تملك تفويضاً ولا تتحمل مسؤولية.

من يدفع ومن يربح؟

الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التشريع يظل ناقصاً ما لم يُدمج فيه البعد الاقتصادي.

سوق التقنية القانونية (LegalTech) يتوسع بوتيرة متسارعة. تقديرات حديثة تضع حجم السوق العالمي للتقنية القانونية عند أكثر من 50 مليار دولار بحلول 2030. شركات مثل Thomson Reuters وLexisNexis تستثمر بكثافة في أدوات صياغة ومراجعة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذا يعني أن الأدوات التي ستدخل غرف التشريع ليست محايدة اقتصادياً، بل منتجات شركات لها مصالح وأسواق وأولويات.

حين تعتمد حكومة على أداة تجارية لمساعدتها في الصياغة التشريعية، فإنها تُدخل فاعلاً اقتصادياً إلى عملية سيادية. السؤال ليس “هل الأداة مفيدة؟” بل من يملكها، وأين تُعالَج البيانات، وهل تستطيع الدولة تدقيق خوارزمياتها.

بالنسبة للدول العربية، هذا السؤال أكثر إلحاحاً. لا توجد حتى الآن منصة عربية متكاملة لدعم الصياغة التشريعية بالذكاء الاصطناعي. الإمارات والسعودية تستثمران في رقمنة الخدمات القانونية والقضائية، لكن الصياغة التشريعية بالمعنى الدقيق لا تزال تعتمد على الخبرة البشرية التقليدية.

هذا يعني أن الفجوة ليست تقنية فقط، بل سيادية: من سيصيغ الأدوات التي تساعد في صياغة قوانيننا؟

حين يتعلق الأمر بمسؤولية المنتج القانوني، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى مستوى التشريع يضاعف التعقيد. الشركة المطوّرة ستتنصل بأن أداتها “مساعدة لا بديلة”. المشرّع سيحتج بأنه اعتمد على توصية تقنية. والمواطن المتضرر يبقى بلا مرجعية مساءلة واضحة.

التحيّز الذي لا يُرى

النماذج اللغوية تتعلم من بيانات. وحين تكون هذه البيانات تشريعات وأحكاماً سابقة، فإن ما تتعلمه ليس “القانون المثالي” بل القانون كما كان، بتحيزاته وثغراته وانحيازاته التاريخية.

لو دُرّب نموذج على تشريعات عمالية من عدة دول، فإنه سيستوعب الأنماط السائدة. لكن الأنماط السائدة قد تتضمن تمييزاً مبطناً ضد فئات بعينها أو إغفالاً لقطاعات اقتصادية غير رسمية. المسودة التي ينتجها النموذج ستبدو متسقة ومنظمة، لكنها في العمق قد تُعيد إنتاج خلل قديم بلغة جديدة.

هذا لا يعني أن الأداة “منحازة عمداً”. الانحياز هنا بنيوي: ناتج عن طبيعة البيانات لا عن نية مبرمجة.

وهو أخطر أنواع التحيز لأنه يصعب اكتشافه، خصوصاً حين تبدو المخرجات منطقية ومرتبة.

الاتحاد الأوروبي حاول في قانون الذكاء الاصطناعي (EU AI Act) الذي بدأ تطبيقه تدريجياً منذ أغسطس 2024 أن يضع تصنيفاً للمخاطر يشمل الاستخدامات في القطاع العام. لكنه لم يتطرق صراحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصياغة التشريعية ذاتها.

الفراغ القانوني هنا ليس تفصيلاً تقنياً، بل ثغرة في بنية المساءلة الديمقراطية.

ما تحتاجه المنطقة العربية

ليس المطلوب أن تُسارع الدول العربية إلى تبنّي أدوات ذكية في صياغة تشريعاتها لمجرد مواكبة الاتجاه العالمي. المطلوب أن تبدأ من السؤال الصحيح: ما البنية التحتية القانونية والمؤسسية التي تضمن استخدام هذه الأدوات دون أن تُقوّض استقلالية القرار التشريعي؟

هذا يعني ثلاثة أشياء على الأقل.

أولاً: بناء قواعد بيانات تشريعية رقمية منظمة ومفتوحة. شرط أساسي لأي استخدام ذكي لاحق. الإمارات خطت خطوات مهمة في هذا الاتجاه عبر منصة التشريعات الإماراتية، فيما تعمل السعودية على تطوير بنية تحتية رقمية شاملة للخدمات القضائية والقانونية ضمن رؤية 2030.

المغرب بدوره يُطوّر منظومة رقمية للمحاكم تشمل قاعدة بيانات موحدة للأحكام القضائية. هذه المبادرات تشكّل أساساً ضرورياً، لكنها تظل منفصلة عن فكرة دمج الذكاء الاصطناعي في الصياغة التشريعية نفسها.

ثانياً: تطوير كفاءات محلية في فهم الخوارزميات وتدقيقها، لا في استخدامها فقط. الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) تعمل على بناء قدرات وطنية في هذا المجال، لكن التركيز حتى الآن على التطبيقات الخدمية والاقتصادية أكثر من التشريعية.

الفجوة الحقيقية ليست في القدرة على استخدام أداة ذكية، بل في القدرة على فحصها: فهم كيف تعمل، وما البيانات التي دُرّبت عليها، وما التحيزات المحتملة فيها.

ثالثاً: وضع أطر تنظيمية واضحة تحدد أين يمكن للأداة أن تساعد وأين يجب أن يتوقف دورها. إطار يفصل بين المراحل التحضيرية التي يمكن أتمتتها ومراحل القرار التي يجب أن تبقى بشرية بالكامل.

بدون هذه الشروط، فإن استيراد أدوات الصياغة الذكية سيكون مجرد شكل آخر من أشكال التبعية التقنية، هذه المرة في أحد أكثر مجالات السيادة حساسية.

أبعد من الكفاءة

الذكاء الاصطناعي لا ينتزع القلم من يد المشرّع. ما يفعله أدقّ: يُعيد ترتيب الغرفة التي يجلس فيها المشرّع ليكتب. يُغيّر ما يراه أولاً، وما يبدو له ممكناً، وما يظنه متسقاً. يُسرّع المراحل التي كانت تمنح وقتاً للتأمل، ويُقدّم خيارات تحمل منطقاً إحصائياً لا منطقاً سياسياً.

القانون لم يكن يوماً منتجاً تقنياً. كان دائماً تعبيراً عن اختيار مجتمعي: ما الذي نحميه، وما الذي نقيّده، ومن نُحاسب.

حين تدخل الخوارزمية إلى هذا الاختيار، لا يكفي أن نسأل “هل هي مفيدة؟” بل يجب أن نسأل: من يراقبها وهي تعمل؟