لماذا تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الطاقة؟

⏱️ 8 دقيقة قراءة

في سبتمبر 2023، أعلنت Microsoft عن صفقة : إعادة تشغيل مفاعل Three Mile Island النووي في بنسلفانيا، المفاعل ذاته الذي شهد أسوأ حادثة نووية في التاريخ الأمريكي عام 1979، وأُغلق عام 2019 بعد أربعة عقود من التشغيل. العقد يمتد عشرين عاماً. القدرة الإنتاجية 835 ميجاواط. المستفيد الوحيد: مراكز بيانات الشركة.

لم يكن هذا قراراً بيئياً ولا رسالة رمزية عن الطاقة النظيفة. كان إقراراً صريحاً بأن ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت تجوع للطاقة بوتيرة لا تستطيع الشبكات التقليدية استيعابها.

السؤال الذي يطرحه كثيرون بفضول سرعان ما يتحول حين تُفهم أبعاده: لماذا تستهلك مراكز البيانات كل هذه الطاقة؟ الإجابة التقنية موجودة وستأتي. لكن الإجابة الحقيقية أعمق، وتمس توازن القوى بين الدول والشركات والمجتمعات بطريقة لم تكتمل ملامحها بعد.

مراكز البيانات : الآلة التي لا تتوقف

مركز البيانات في جوهره مبنى مليء بآلاف الخوادم تعمل على مدار الساعة دون توقف. هذه الاستمرارية هي المشكلة الأولى.

الخادم لا يستريح. حين لا يعالج طلباً، يظل في حالة انتظار نشطة تستهلك طاقة. وحين يعالج، يرتفع استهلاكه بشكل حاد. الفارق بين الحالتين أقل مما يتوقعه كثيرون، وهذا بالضبط ما يجعل مراكز البيانات مختلفة عن معظم المنشآت الصناعية الأخرى: لا يوجد إيقاف تشغيل حقيقي.

لكن الخوادم وحدها ليست المشكلة الكاملة.

كل هذه المعالجة تولّد حرارة هائلة. والحرارة تحتاج إلى تبريد مستمر وإلا توقفت الأنظمة أو احترقت. أنظمة التبريد، في كثير من مراكز البيانات التقليدية، تستهلك ما بين 30 و40 بالمئة من إجمالي الطاقة المستخدمة في المنشأة. وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية للكهرباء 2024، وصل إجمالي استهلاك مراكز البيانات عالمياً إلى 460 تيراواط/ساعة في 2022، مع توقعات بتجاوز 1000 تيراواط/ساعة بحلول نهاية 2026، أي ما يقارب ضعف الرقم في أقل من أربع سنوات.

الطبقة الثالثة في معادلة الطاقة غالباً ما تُنسى: البنية التحتية الداعمة. أنظمة الإمداد غير المنقطع، محولات الجهد، أنظمة الإضاءة والأمن، شبكات الاتصالات الداخلية، كل هذه تُضيف حملاً إضافياً فوق استهلاك الخوادم والتبريد. الكفاءة الإجمالية لمركز البيانات تُقاس بمعامل يُسمى PUE، وكلما اقترب من الواحد كان المركز أكفأ. المتوسط العالمي لا يزال أعلى من 1.5، مما يعني أن نصف الطاقة المستهلكة تقريباً تذهب لغير الحوسبة الفعلية.

نمو مراكز البيانات مع الذكاء الاصطناعي

كانت مراكز البيانات تنمو قبل الذكاء الاصطناعي التوليدي. لكن نموها كان خطياً يمكن استيعابه. ما جرى بعد نهاية 2022 كان مختلفاً نوعياً.

تدريب نموذج لغوي كبير ليس عملية حوسبة عادية. إنه ضغط هائل ومتواصل على آلاف المعالجات المتخصصة لأسابيع أو أشهر متواصلة. تُشير الدراسات إلى أن تدريب GPT-4 استهلك ما بين 51,000 و62,000 ميجاواط/ساعة، وفق ما أوردته دراسة Extreme Networks لعام 2024، وهو ما يعادل استهلاك ألف منزل أمريكي على مدى خمس سنوات كاملة.

لكن التدريب، رغم ضخامته، يجري مرة واحدة أو مرات محدودة.

المشكلة الأعمق في الاستخدام اليومي. كل سؤال تطرحه على نموذج ذكاء اصطناعي يستهلك، وفق تقديرات Epoch AI لعام 2025، ما بين 0.3 و2.9 واط/ساعة حسب تعقيد النموذج والسؤال. الرقم يبدو صغيراً، لكن مئات الملايين من المستخدمين يطرحون مئات الملايين من الأسئلة يومياً. والمحصلة الكلية ضخمة.

المقارنة الأكثر إيلاماً تأتي من وكالة الطاقة الدولية: سؤال واحد لنموذج ذكاء اصطناعي يستهلك ما بين عشرة وخمسة وعشرين ضعف ما تستهلكه عملية بحث تقليدية على Google. البحث العادي يكلف حوالي 0.0003 كيلوواط/ساعة. الذكاء الاصطناعي يكلف أضعاف ذلك. والفارق يتراكم.

هذا وحده يكفي لفهم لماذا تتسابق الشركات الكبرى على تأمين مصادر طاقة ضخمة وثابتة.

جغرافيا الطاقة الرقمية

التوزيع الجغرافي لمراكز البيانات ليس عشوائياً. هو نتاج معادلة تجمع بين توافر الطاقة الرخيصة، والمناخ البارد المناسب للتبريد، والبنية التحتية للاتصالات، والاستقرار السياسي والتشريعي.

الولايات المتحدة تستحوذ على نحو 33 بالمئة من مراكز البيانات العالمية وتستهلك ما يقارب 45 بالمئة من الطاقة الكلية المخصصة لهذا القطاع عالمياً، وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية. ولاية فرجينيا وحدها تضم تركزاً استثنائياً من مراكز البيانات حتى باتت تُعرف في الأوساط التقنية بعاصمة البيانات العالمية، وتشهد اليوم ضغوطاً حادة على شبكات الطاقة المحلية.

أوروبا تسير في الاتجاه ذاته لكن بتوترات مختلفة. إيرلندا نموذج صارخ: تستضيف مراكز بيانات كبرى لأسباب ضريبية ومناخية، وتواجه توقعات بأن تستهلك هذه المراكز وحدها ما يصل إلى 32 بالمئة من إجمالي طاقة الشبكة الوطنية بحلول 2026 وفق تقرير IEA، مما دفع الحكومة الأيرلندية إلى تعليق تراخيص إنشاء مراكز بيانات جديدة في دبلن لفترة من الزمن.

الصين تبني بوتيرة مختلفة وبأهداف مختلفة. توسع قدراتها في مراكز البيانات جزء من استراتيجية سيادة رقمية شاملة، لا مجرد استجابة لطلب السوق.

أما المنطقة العربية، فتقف عند مفترق طرق حقيقي.

الخليج في سباق البنية التحتية الرقمية

الإمارات والسعودية وقطر لا تبني مراكز بيانات لتخزين ملفاتها الحكومية فحسب. هي تراهن على أن البنية التحتية الرقمية ستكون أحد محاور القوة في الاقتصاد العالمي القادم، وتسعى لأن تكون شريكاً في هذه البنية لا مجرد مستهلك.

شركة خزنة في الإمارات تواصل توسعة شبكتها بهدف أن تصبح الأكبر في المنطقة، مع توجه معلن نحو دمج الطاقة المتجددة في تشغيلها. السعودية تدمج مراكز البيانات في مشاريع كبرى كنيوم، وفي استراتيجية تحويل رقمي أوسع تحت مظلة رؤية 2030. قطر تستضيف توسعات سحابية لمايكروسوفت وشركات اتصالات كبرى.

لكن هنا تبرز مفارقة تستحق التأمل.

منطقة الخليج تمتلك طاقة شمسية هائلة وتسعى لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، وفي الوقت ذاته تستقطب صناعة تجوع للطاقة وتنتج حرارة هائلة في مناخ حار بطبيعته. تبريد المنشآت في مناخ الخليج يستنزف طاقة إضافية مقارنة بالمناطق الباردة في أوروبا الشمالية أو كندا. هذه التكلفة تُحسب في معادلة الجدوى الاقتصادية، وتطرح سؤالاً مشروعاً: هل يكفي الموقع الجغرافي الاستراتيجي وتوافر رأس المال للتغلب على هذه المعادلة؟

الإجابة ليست واحدة لكل دول المنطقة. ما تستطيعه الإمارات بسوقها الأكثر تنوعاً وبنيتها التشريعية الأكثر مرونة يختلف عما تواجهه دول أخرى في المنطقة لا تزال تحت وطأة الفجوة الرقمية.

النووي يعود من باب التقنية

القرار الأكثر إثارة في مشهد الطاقة الرقمية ليس بناء محطات شمسية أو رياح جديدة. هو العودة إلى الطاقة النووية.

Microsoft أعادت تشغيل Three Mile Island. Amazon اشترت مركز بيانات بجوار محطة Susquehanna النووية في بنسلفانيا وتعاقدت على 1.9 جيجاواط من الطاقة النووية، وفق ما أوردته Forbes في 2026. Google وقّعت أول اتفاقية من نوعها مع شركة Kairos Power لشراء الطاقة من أسطول من المفاعلات النووية الصغيرة SMRs، وفق ما أعلنته الشركة رسمياً في مدونتها الرسمية.

لماذا النووي تحديداً؟

لأن الذكاء الاصطناعي يحتاج طاقة ثابتة لا متقطعة. الطاقة الشمسية والريحية تتوقف مع الغيوم والهدوء. البطاريات لا تزال عاجزة عن سد الفجوة لمنشآت تعمل على مدار الساعة بعشرات أو مئات الميجاوات. الطاقة النووية تُنتج باستمرار تام وبانبعاثات كربونية منخفضة. هذا ما تحتاجه مراكز البيانات بالضبط.

الشركات التقنية الكبرى تُعلن التزامات بيئية صارمة وفي الوقت ذاته تضخ في محطات نووية كانت مرشحة للإغلاق. التناقض الظاهر يخفي منطقاً اقتصادياً صارماً: لا توجد طاقة نظيفة وثابتة وبالسعة الكافية غير النووية. وأمام الاختيار بين الالتزامات المناخية وضمان الطاقة اللازمة للنمو، الشركات اختارت الاثنين معاً.

هذا التحول يفتح باباً لنقاش لم يُحسم بعد في كثير من الدول: هل إعادة الاعتبار للطاقة النووية في ظل الطلب الرقمي المتصاعد سيُغيّر موازين قبولها الشعبي والسياسي؟

الماء الذي لا يُرى

الطاقة هي الرقم الأبرز في نقاش مراكز البيانات. لكن ثمة موردٌ ثانٍ يُستهلك بصمت أكبر: المياه.

التبريد بالمياه أكثر كفاءة من التبريد بالهواء في حالات كثيرة، وتعتمد عليه كثير من المراكز الكبرى. وفق تقارير موثقة، تستهلك مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي عالمياً نحو 800 مليار لتر من المياه العذبة يومياً للتبريد، وهو رقم يثير تساؤلات جدية في مناطق تعاني شح المياه.

المفارقة حادة في السياق العربي: منطقة تعاني من ندرة مائية هيكلية تستقطب صناعة تتعطش للمياه. التحولات نحو التبريد الجوي أو إعادة تدوير المياه موجودة لكنها تحمل تكاليف إضافية. والحسابات لم تُجرَ بشكل كافٍ على مستوى السياسات العامة في معظم دول المنطقة.

من يدفع الفاتورة؟

الطاقة التي تستهلكها مراكز البيانات ليست مجانية. لكن من يتحمل تكلفتها الحقيقية؟

الشركات تدفع فاتورة الطاقة المباشرة. لكن الضغط على شبكات التوزيع المحلية، والحاجة إلى توسعة البنية التحتية، وتأثير استهلاك الذروة على المناطق السكنية المجاورة، كل هذه تكاليف اجتماعية يتحملها عموم المواطنين لا الشركات وحدها.

في فرجينيا، ضغطت مجتمعات محلية على السلطات لتقييد التوسع. في إيرلندا، علّقت الحكومة التراخيص. في هولندا، فرضت أمستردام قيوداً صارمة على إنشاء مراكز بيانات جديدة. هذه ليست مصادفات، بل استجابات لضغط حقيقي على الشبكات والموارد.

المنطقة العربية لم تصل بعد إلى هذه المرحلة من التشبع، وهو ما يجعلها سوقاً جاذبة. لكن الدرس الأوروبي يطرح سؤالاً مشروعاً ينبغي طرحه الآن لا لاحقاً: كيف تُؤطَّر الاتفاقيات مع شركات التقنية الكبرى لضمان أن تكاليف البنية التحتية والموارد لا تقع كلها على كاهل الدولة والمواطن؟

هذا السؤال التشريعي والتفاوضي غائب إلى حد كبير عن النقاش العام في المنطقة. مراكز البيانات: من يملك البنية التحتية للإنترنت يملك العالم (رابط داخلي) موضوع لم يأخذ حظه الكافي من التحليل القانوني العربي.

السيادة التي تُقاس بالكيلوواط

الطاقة والبيانات يتشابكان في معادلة واحدة: من يتحكم في الطاقة يتحكم في البنية التحتية الرقمية، ومن يتحكم في البنية التحتية الرقمية يمتلك نفوذاً على تدفق المعلومات والقرارات.

هذا ليس تضخيماً. حين تستأجر دولة سعة سحابية من شركة أمريكية أو صينية، فإن بياناتها الحساسة تُعالَج على خوادم تخضع لقوانين دولة أخرى. قانون CLOUD الأمريكي يمنح السلطات الأمريكية صلاحية طلب الوصول إلى بيانات مخزنة على خوادم الشركات الأمريكية أينما كانت في العالم. هذا ليس نظرية بل نص قانوني نافذ.

بناء مراكز بيانات محلية يُقلّص هذه الهشاشة لكنه لا يلغيها طالما الاعتماد على تقنية وبرمجيات أجنبية يبقى كلياً. السيادة على البيانات: المعركة القانونية بين الدول وشركات التقنية (رابط داخلي) جانب آخر من هذه المعادلة لا يمكن فصله عن نقاش الطاقة.

الدول التي تبني بنيتها الرقمية الآن تضع أسس نفوذها أو تبعيتها لعقود قادمة. والطاقة، بكل ما يبدو في أمرها من تفاصيل تقنية جافة، هي في نهاية الحسابات عملة جيوسياسية جديدة.

حدود من نوع جديد

وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يتجاوز استهلاك مراكز البيانات 1000 تيراواط/ساعة بحلول نهاية 2026. الرقم سيرتفع بعدها. والذكاء الاصطناعي لم يبلغ ذروة توسعه بعد.

في مكان ما بين هذا الرقم وسياسات الطاقة وقرارات التراخيص وعقود الشركات الكبرى، تُرسم حدود من نوع جديد. ليست حدوداً جغرافية، بل حدود تحدد من يملك القدرة الحوسبية ومن يعتمد على غيره فيها.

السؤال الذي لم تُحسمه الأرقام بعد: هل يكفي امتلاك مركز البيانات لامتلاك شيء من هذه القدرة، أم أن اللعبة الحقيقية تبدأ بعد ذلك بكثير؟