حرب الرقائق: الصراع الذي سيحدد من يحكم عصر الذكاء الاصطناعي

قبل أن تُطلق أي رصاصة، تُحسم الحروب الكبرى في المصانع. هذه ليست استعارة. في أغسطس 2022، وقّع الرئيس الأمريكي جو بايدن على قانون أفرز تداعياته أبعد أثرًا من أي معاهدة دفاعية في العقد الماضي. لم يكن القانون عن جيوش أو أسلحة. كان عن رقائق إلكترونية بحجم ظفر الإصبع.

ان حرب الرقائق والذكاء الاصطناعي لا تُشبه الحروب التي عهدنها . فلا خسائر بشرية مباشرة، ولا حدود جغرافية واضحة، ولا إعلان رسمي للعدوان. ما يجري هو شيء أعمق: صراع على البنية التحتية للعقل الاصطناعي الذي سيُدير الاقتصادات ويُحرّك الجيوش ويُعيد رسم حدود السيادة في القرن الحادي والعشرين.

والمنطقة العربية، بما تملكه من ثروات وموقع وسوق، تقف حتى الآن خارج دائرة الإنتاج تمامًا. ثمة محاولات، سنعود إليها. لكن المحاولة شيء والحضور الفعلي في سلسلة الإمداد شيء آخر.

الشريحة التي تحرّك العالم

كل نموذج ذكاء اصطناعي متقدم، من تلك التي تُشغّل محركات البحث إلى تلك التي تُوجّه الطائرات المسيّرة، يقوم في جوهره على قدرة حوسبية هائلة. هذه القدرة لا تأتي من الهواء، بل من رقائق متخصصة تُصنَّع بدقة تُقاس بالنانومتر، وتحتاج إلى سنوات من الخبرة المتراكمة وعشرات المليارات من الاستثمار لإنتاجها.

تخيّل الأمر هكذا: إذا كان الذكاء الاصطناعي دماغًا، فالرقاقة هي الخلايا العصبية. لا خلايا، لا تفكير. والمشكلة أن هذه الخلايا لا تُصنَّع في أي مكان، بل في مكان واحد تقريبًا.

الفارق بين تصميم الرقاقة وتصنيعها فارق حضاري لا تقني فحسب. الشركات الأمريكية كـ NVIDIA وAMD وIntel تُتقن التصميم. لكن التصنيع الفعلي للرقائق الأكثر تقدمًا يتركز في مكان واحد على وجه الأرض: مصانع شركة TSMC في تايوان. وفق تقديرات معهد أبحاث Semiconductor Industry Association، تُنتج هذه الشركة ما يتجاوز 90% من الرقائق دون السبعة نانومترات عالميًا، وهي العتبة التي يبدأ عندها الذكاء الاصطناعي المتقدم.

جزيرة واحدة. شركة واحدة. وعليها يتوقف مسار الذكاء الاصطناعي العالمي.

هذا التركز لم يكن مقصودًا كاستراتيجية سيادة، بل نتج عن عقود من التخصص وتراكم الخبرة وضخ الاستثمار. لكنه أفرز انكشافًا غير مسبوق وصفه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بأنه أخطر نقطة ضعف في سلسلة الإمداد التكنولوجية العالمية. حين تكون جزيرة تبعد نحو 180 كيلومترًا عن الصين هي المورّد شبه الوحيد لأدمغة الذكاء الاصطناعي، فإن الجغرافيا السياسية تتحوّل إلى قدر تقني.

واشنطن تُشرّع الحرب

ما فعله قانون CHIPS and Science Act في أغسطس 2022 لم يكن مجرد دعم صناعي. كان إعلانًا أمريكيًا صريحًا بأن الرقائق باتت مسألة أمن قومي لا اقتصاد سوق. خصّص القانون نحو 52 مليار دولار لدعم تصنيع الرقائق على الأراضي الأمريكية، منها ما يقارب 39 مليار دولار منحًا مباشرة للمصانع، بهدف واحد: تقليص الاعتماد على تايوان وبناء قاعدة تصنيع بديلة.

لكن الخطوة الأشد أثرًا جاءت في أكتوبر من العام نفسه.

فرضت وزارة التجارة الأمريكية قيودًا غير مسبوقة على تصدير الرقائق المتقدمة وأدوات تصنيعها إلى الصين. ليس حظرًا على الهواتف أو الحواسيب الاستهلاكية، بل استهدافًا دقيقًا للرقائق التي تُمكّن من تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة. المنطق صريح: من تُقطع عنه أدمغة الذكاء الاصطناعي يُقطع عن قيادة العصر.

ما يحدث فعليًا هو أن واشنطن تستخدم التشريع سلاحًا استراتيجيًا. القيود ليست عقوبة اقتصادية بالمعنى التقليدي، بل رسم لحدود جديدة لما يُسمح لخصومها بالوصول إليه من أدوات القوة. التجارة هنا واجهة، والسيادة التقنية هي الجوهر.

بكين تبني دورتها الخاصة

ردّت الصين بما يفوق مجرد الاحتجاج الدبلوماسي. ضخّت عشرات المليارات في صندوق استثمار أشباه الموصلات الوطني، ووجّهت شركة SMIC نحو تحقيق قفزات في الإنتاج المحلي، وأطلقت برامج لاستقطاب المهندسين والخبراء من كل أنحاء العالم.

المسألة لا تُختزل في الفجوة التقنية الحالية. صحيح أن SMIC لا تزال متأخرة عن TSMC بأجيال تقنية وفق ما تُشير إليه التقارير المتخصصة. لكن ما تبنيه بكين يتجاوز محاولة اللحاق: إنها تُرسّخ سلسلة إمداد موازية بالكامل، مستقلة عن الأدوات الغربية والبرمجيات الأمريكية وبراءات الاختراع الأوروبية.

هذا التوجه له ثمن باهظ وجدول زمني طويل. لكنه يكشف شيئًا جوهريًا: الصين لا تُفاوض على موقعها في سلسلة الإمداد القائمة، بل تسعى إلى بناء سلسلة موازية تجعل الحصار الغربي أثره محدودًا على المدى البعيد. إن نجحت، فإن العالم التقني سيتشقق إلى قطبين لا يتشاركان لا الرقائق ولا المعايير ولا البنية التحتية.

ASML: العقدة التي لا يراها أحد

وسط هذا الصراع، تقف شركة هولندية لا يعرفها معظم الناس وتتحكم في مساره كله.

ASML لا تُصنّع رقائق. تُصنّع الآلات التي تُصنّع الرقائق. تحديدًا: آلات الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية الشديدة، المعروفة بـ EUV، وهي الأداة الوحيدة في العالم القادرة على نقش الدوائر الإلكترونية بدقة أقل من سبعة نانومترات. من دونها، لا رقائق متقدمة. لا شركة أخرى في العالم تُنتجها.

هذا يعني أن هولندا، دولة صغيرة لا تمتلك جيشًا من الدرجة الأولى، باتت تحتل موقعًا محوريًا في أخطر صراع تقني في العصر. حين ضغطت واشنطن على لاهاي لمنع تصدير آلات EUV إلى الصين، امتثلت هولندا اعتبارًا من عام 2023، محوّلةً ورقة صناعية إلى ورقة جيوسياسية.

المشكلة تنتقل من مستوى إلى آخر: أوروبا تملك عقدة حرجة في هذا الصراع، لكنها لا تملك استراتيجية سيادة تقنية متكاملة تُحوّل هذه الورقة إلى موقع قيادي فعلي. European Chips Act الذي رصد نحو 43 مليار يورو من مصادر عامة وخاصة خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن المسافة بين تخصيص الأموال وامتلاك القدرة الفعلية لا تُقطع بمرسوم.

القانون الذي يلهث خلف الشريحة

أحد أوضح دلالات هذا الصراع أن التشريع، في كل مكان تقريبًا، يتحرك بعد الأزمة لا قبلها.

قانون CHIPS Act نفسه جاء بعد أن اكتشفت واشنطن أن اعتمادها على تايوان بلغ حد الخطر. القيود على التصدير صِيغت كأداة تجارية لكنها في جوهرها قرار سيادة. معايير الذكاء الاصطناعي الدولية تُصاغ الآن في هيئات مثل ISO وIEEE بعيدًا عن أي صوت عربي فاعل.

التشريع التقني تحوّل من أداة تنظيمية إلى شرط سيادة. الدولة التي لا تُشرّع لسلاسل إمدادها الرقمية ومعايير ذكائها الاصطناعي وحماية بياناتها لا تُحكم نفسها فحسب، بل تنتظر أن يُحكمها غيرها. وحين تُخطئ الخوارزمية في ظل هذا الغياب التشريعي، تصبح المسؤولية القانونية سؤالًا بلا إجابة.

ماذا يعني هذا عربيًا؟

لنكن دقيقين لا مجرد انتقاديين.

ثمة محاولات حقيقية في المنطقة. الإمارات بنت مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وأطلقت نموذج Falcon الذي احتل مراتب متقدمة في تصنيفات النماذج المفتوحة المصدر. السعودية تضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية ضمن رؤية 2030. قطر تُموّل أبحاثًا في الذكاء الاصطناعي عبر مؤسسة قطر للبحث.

لكن المحاولة شيء والحضور في سلسلة الإمداد شيء آخر.

كل هذه الجهود تقع في دائرة الاستهلاك والبناء فوق ما صنعه غيرك: مراكز بيانات تعمل برقائق NVIDIA، ونماذج تُدرَّب على بنية تحتية حوسبية لا تملك المنطقة أي حلقة في إنتاجها. الاستثمار في استيعاب التقنية ليس سيادة رقمية. هو في أحسن أحواله تحضير لتكون سوقًا أكثر كفاءة.

مثال يوضح المسافة: قطاع الصحة العربي يُنتج يوميًا كميات هائلة من السجلات الطبية والأبحاث السريرية والبيانات الوبائية باللغة العربية. هذه البيانات، لو نُظّمت وحُوكمت وأُتيحت لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي متخصصة، يمكن أن تُنتج أدوات تشخيصية بقدرات لا تملكها النماذج الغربية التي تشحّ فيها البيانات العربية. لكن هذا لم يحدث بالمستوى المطلوب. البيانات موجودة. الإرادة التحويلية غائبة. وما لم تتحوّل هذه البيانات إلى أصول محكومة ومحمية، فمن يملكها فعليًا يملك القرار، لا من أنتجها.

السؤال الأجدى ليس: هل بإمكاننا بناء مصنع رقائق؟ الإجابة واقعيًا لا، ليس قريبًا. السؤال الحقيقي: أين يمكن أن تُرسّخ المنطقة حضورًا لا يجعلها مجرد مستهلك؟

ثلاثة مداخل واقعية تستحق النظر الجاد لا المجرد:

التشريع: بناء أطر تنظيمية للذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الرقمية قبل أن تُفرض من الخارج. من لا يُشرّع لنفسه سيُطبّق تشريعات كتبها غيره بمصالح غيره.

البيانات المتخصصة: تنظيم البيانات العربية في قطاعات الصحة والقانون والفقه والإعلام وتحويلها إلى أصول استراتيجية قابلة للاستثمار في تدريب نماذج متخصصة.

الموقع الجيوسياسي: بعض الدول العربية تملك علاقات مع القطبين الأمريكي والصيني في آنٍ واحد. هذا الموقع الفريد يمكن توظيفه كعقدة وساطة في سلاسل الإمداد التقنية، لكن ذلك يحتاج إرادة سياسية تُعامل التقنية كملف سيادة لا كصفقة تجارية.

ثلاثة مسارات ومجهول واحد

حرب الرقائق والذكاء الاصطناعي لن تُحسم في القريب. كل جيل جديد من النماذج يحتاج رقائق أقوى، وكل رقاقة أقوى تُعمّق هذا الصراع.

المسار الأول أن تنجح أمريكا في بناء قاعدة تصنيع مكتفية وتظل الصين متأخرة بجيل أو اثنين. النتيجة: أحادية تقنية أمريكية تُقيّد كل من يقع خارج منظومتها.

المسار الثاني أن تكسر الصين الحصار وتُرسّخ سلسلة إمداد مستقلة. النتيجة: عالم ثنائي القطب تقنيًا لكل قطب رقائقه ومعاييره ونماذجه. وفي هذا العالم الحياد التقني وهم.

المسار الثالث والأكثر هشاشة: يبقى الوضع معلقًا فوق تايوان. أي تصعيد في المضيق لن يكون أزمة إقليمية، بل انهيارًا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي العالمي.

أيّ هذه المسارات أقرب إلى الواقع الراهن؟ المؤشرات الحالية ترجّح المسار الثاني على المدى المتوسط. الصين لم تنكسر تحت وطأة القيود، والاستثمارات المحلية تتصاعد، وبعض التقارير تُشير إلى أن شركات صينية تتحايل على القيود عبر وسطاء في دول ثالثة. في المقابل، تعثّرت بعض مشاريع TSMC في أريزونا بسبب نقص الكفاءات المحلية، مما يُشير إلى أن بناء بديل أمريكي سيستغرق أطول مما خططت له واشنطن.

في كل هذه المسارات، يبقى السؤال نفسه معلقًا فوق المنطقة العربية: هل ستدخل هذا العصر فاعلًا أم ستكتفي بالتكيّف مع ما قرره غيرها؟ الإجابة لم تُكتب بعد. لكن نافذة كتابتها تضيق مع كل جيل رقائق جديد يخرج من مصانع لا ناقة لنا فيها ولا جمل.