في عام 2019، أصدرت الإمارات استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي بوصفها الأولى من نوعها في المنطقة. في العام نفسه، لم يكن في القانون الإماراتي نص واحد يُلزم صاحب عمل بإخطار موظف بأن قرار فصله اتُّخذ بواسطة خوارزمية. الوثيقة الاستراتيجية كانت طموحة. أما الإطار القانوني لحماية العامل فلم يكن موجودًا بنص مباشر.
هذا الفارق بين الاستراتيجية والتشريع ليس استثناءً إماراتيًا. هو نمط عربي يتكرر من الخليج إلى المغرب.
الحكومات العربية والأتمتة: العلاقة بينهما تبدو على السطح نشطة ومتحركة. استراتيجيات وطنية وهيئات متخصصة ومؤتمرات دولية ومبادرات تدريبية. لكن حين تنزل من مستوى الوثيقة إلى مستوى العامل الذي فقد وظيفته لأن شركته استبدلته بنظام آلي، تجد أن الإطار التشريعي الخاص بالقرارات الوظيفية الآلية لا يزال محدودًا وغير صريح في عدد كبير من الدول العربية. بل إن كثيرًا من العمال المتأثرين لا يعرفون أن خوارزمية هي التي اتخذت القرار بشأنهم.
والأتمتة هنا لا تعني الروبوتات الصناعية فحسب. تشمل كل نظام اتخاذ قرار آلي في التوظيف والتقييم والفصل والترقية وتحديد الأجر. وهذا بالضبط ما يغيب عن كثير من قوانين العمل العربية. ليس لأن المشرّع يتجاهل المشكلة بل لأن أدواته التشريعية صُمّمت في زمن لم تكن فيه هذه المشكلة واردة أصلًا.
الاستراتيجية شيء والقانون شيء آخر
الخلط بين الاستراتيجية والتشريع خطأ شائع في قراءة هذا الملف.
الاستراتيجية وثيقة رؤية تُحدد أهدافًا وتَرسم توجهات. أما التشريع فنص ملزم يُرتّب حقوقًا وواجبات ومسؤوليات قانونية عند الإخلال بها. بين الاثنين مسافة لا تُقطع بالإرادة السياسية وحدها. تحتاج عملًا تشريعيًا دقيقًا وتفصيليًا وبطيئًا بطبيعته. وهذا البطء ليس عيبًا في التشريع بل طبيعته. لكنه يصبح عيبًا حين تتحرك التقنية بسرعة لا يلحقها أي برلمان.
المملكة العربية السعودية أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) عام 2019 وأصدرت نظام حماية البيانات الشخصية عام 2021. خطوة تشريعية حقيقية في ملف البيانات. لكن نظام العمل السعودي ولوائحه التنفيذية لا يتضمن على نحو صريح نصًا يُعالج حالة الفصل بسبب الأتمتة أو يُلزم صاحب العمل بتقديم بدائل تدريبية للعامل المتأثر. البيانات حُميت. أما العامل فلا توجد حتى الآن حماية صريحة ومباشرة له في نصوص العمل النافذة.
مصر أصدرت استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2021 وأنشأت مجلسًا وطنيًا متخصصًا. لكن قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 لا يَعرف الأتمتة ولا يتحدث عنها بنص مباشر. صِيغ في عالم كانت الوظائف فيه تُنتزع بقرارات بشرية يمكن الطعن فيها، لا بخوارزميات لا يعرفها المتضرر ولا يستطيع مراجعتها. ومشروع قانون العمل الجديد الذي يُناقش منذ سنوات لم يُشِر بعد إلى الأتمتة أو القرارات الآلية كمسألة تستحق معالجة تشريعية مستقلة.
هذا ليس مصادفة. تشريع العمل في عدد كبير من الدول العربية نُقل عن نماذج وُضعت في منتصف القرن الماضي، ثم تجمّد في إطاره الأصلي مع تعديلات موضعية لم تمس جوهره. ولا يبدو أنه في طريقه إلى التعرف على الذكاء الاصطناعي أو اقتصاد المنصات قريبًا.
فجوة بين قانونين
أمام الموظف العربي الذي فقد وظيفته بسبب الأتمتة ثلاثة خيارات نظرية وخيار عملي واحد.
الخيار الأول هو الطعن في قرار الفصل. لكن عددًا كبيرًا من قوانين العمل العربية تُجيز الفصل بسبب “متطلبات العمل” أو “إعادة الهيكلة” دون الإفصاح عن الأسباب التفصيلية. وحين يكون سبب الفصل خوارزمية لا قرارًا بشريًا، لا يوجد نص يُلزم صاحب العمل على نحو صريح بالإفصاح عن آلية الخوارزمية أو معاييرها. بل لا يوجد في كثير من الحالات ما يُثبت أن خوارزمية اتخذت القرار أصلًا لأن الإفصاح غير مطلوب قانونيًا.
أما المطالبة بتعويض فمشروطة في الغالب بإثبات أن الفصل كان تعسفيًا. وما الذي يجعل الفصل بسبب الأتمتة تعسفيًا في غياب نص صريح يُعرِّف ذلك؟ وفق ما هو منشور ومتاح، لم تتعامل المحاكم العربية بعد مع قضايا فصل يكون الذكاء الاصطناعي طرفًا فيها بشكل منهجي، وحين تتعامل معها ستجد نفسها أمام فراغ تشريعي لا يمنحها أدوات كافية للحكم.
الخيار الثالث هو المطالبة بإعادة التدريب. وهذا غير موجود في عدد كبير من قوانين العمل العربية كحق مكفول بنص مباشر. الشركة غير ملزمة بأن تُعيد تأهيل العامل الذي استغنت عنه ولا بأن تمنحه فرصة تعلّم مهارة جديدة قبل فصله.
الخيار العملي الوحيد هو قبول ما يُعرض أو السكوت. وأغلب العمال يختارون السكوت لأن البديل نزاع قانوني طويل بلا ضمان للنتيجة وبتكلفة قد تفوق التعويض نفسه.
تحيّز الخوارزمية حين تُقرر المصير المهني للإنسان مشكلة يدفع باتجاه معالجتها قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي يُصنِّف الأنظمة المؤثرة في التوظيف والفصل كأنظمة عالية المخاطر ويفرض التزامات محددة تشمل: إجراء تقييم أثر مسبق قبل نشر النظام، وتوفير رقابة بشرية فعلية على قراراته، وإتاحة حق الاعتراض للمتأثرين. في الدول العربية لا يوجد تصنيف مماثل ولا إطار يُلزم بأي من هذه الالتزامات.
الخليج بين الطموح والتطبيق
الدول الخليجية تتقدم على بقية المنطقة في هذا الملف. لكن التقدم يظل مشوبًا بنمط متكرر: الإعلان أسرع من التنفيذ.
الإمارات أنشأت وزارة دولة للذكاء الاصطناعي عام 2017 وأطلقت برامج طموحة واستثمرت في مراكز أبحاث وشراكات دولية. على مستوى السياسة العامة الصورة مبهرة. لكن قانون العمل الإماراتي الصادر بمرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 لا يتضمن على نحو صريح نصًا خاصًا بالأتمتة أو بحق العامل في معرفة دور الخوارزمية في أي قرار يمسّه.
والسعودية رغم ضخامة استثماراتها في التقنية واستقطابها لكفاءات عالمية في الذكاء الاصطناعي لم تُصدر بعد تنظيمًا خاصًا بأثر الأتمتة على سوق العمل. برامج التدريب الرقمي موجودة وكثيرة. لكن الربط بين هذه البرامج والعامل الذي فقد وظيفته فعلًا لا يزال غير مؤسّس بآلية تشريعية واضحة.
قد يقول قائل إن هذه الدول في مرحلة بناء ولم يَحِن وقت التشريع بعد. لكن الأتمتة لا تنتظر اكتمال البناء. قرارات توظيف وتقييم وفصل تُتخذ بأنظمة آلية اليوم، وسيُتخذ أضعافها غدًا. والعامل الذي يتأثر بهذه القرارات لا يملك أداة قانونية للاعتراض لأن التشريع لم يلحق بعد.
والمفارقة أن الدول التي تستثمر أكثر في الذكاء الاصطناعي هي الأقل انتباهًا إلى الحماية القانونية للعمال المتأثرين به. الاستثمار يجري بسرعة. التشريع يتأخر.
خارج الخليج: محدودية الإطار التشريعي
في مصر والأردن والمغرب وتونس المشهد مختلف. ليس لأن هذه الدول أكثر وعيًا بالحماية القانونية، بل لأن الأتمتة لم تصل بعد إلى مستوى يُجبر المشرّع على التحرك. لكن هذا بالضبط هو الوقت الذي ينبغي فيه التشريع: قبل أن تصل الأزمة لا بعدها.
لأن الأتمتة حين تصل بشكل واسع إلى هذه الاقتصادات ستصل إلى بيئات لا تملك شبكات أمان اجتماعي كافية ولا قوانين عمل محدَّثة ولا أنظمة تدريب مهني فعّالة. وعندها سيكون التشريع ردَّ فعل على أزمة لا استباقًا لها. وتشريعات الأزمة دائمًا أضعف وأقل تماسكًا من تشريعات الاستباق.
تونس مثال يستحق الانتباه. أصدرت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي ووضعت أهدافًا طموحة. لكن قطاع الخدمات الذي يُوظِّف شريحة واسعة من السكان هو الأكثر عرضة للأتمتة على المدى المتوسط، ولا يوجد في قانون العمل التونسي نص مباشر يُعالج هذا السيناريو. الاستراتيجية تتحدث عن المستقبل. القانون لا يزال يعيش في الماضي.
والأردن والمغرب يسيران في المسار نفسه. مبادرات رقمية محدودة وسوق عمل هش ومنظومة تشريعية لم تسمع بعد بكلمة “أتمتة” في سياق العمل.
ما الذي يحتاجه التشريع العربي فعلًا
المطلوب ليس نسخ القانون الأوروبي. المطلوب مساران تشريعيان واضحان يعكسان واقع المنطقة وأولوياتها.
الأول يتعلق بالشفافية والمراجعة: كل قرار وظيفي تؤثر فيه خوارزمية يجب أن يُفصح عن دورها بنص صريح، ويجب أن يملك العامل المتأثر حقًا في الاطلاع على المعايير وطلب مراجعة بشرية. هذا لا يمنع الأتمتة لكنه يمنع إخفاءها. والإخفاء هو المشكلة الأكبر لأنه يحرم المتضرر من أبسط أدوات الدفاع: أن يعرف ما حدث.
الثاني يتعلق بإدارة التحول: الشركات التي تعتزم أتمتة وظائف ينبغي أن تُلزَم بالإخطار المبكر وتقديم بدائل تدريبية أو تعويضات واضحة ومحددة قانونيًا لا متروكة لحسن نية صاحب العمل. ما يفعله القانون الفرنسي والألماني في هذا الشأن ليس ترفًا. هو ما يُحوِّل التحول التقني من صدمة إلى عملية قابلة للإدارة.
الفجوة التشريعية العربية في مواجهة الأتمتة لا تنتظر. الرؤى الطموحة حقيقية. لكن الرؤية لا تُنتج حقوقًا قابلة للتقاضي. ذلك وحده عمل التشريع. وكل يوم يمر دون هذا العمل هو يوم تُتخذ فيه قرارات آلية بحق أفراد لا يملكون أداة قانونية للاعتراض.
