الذكاء الاصطناعي والسرية المهنية: هل يُخلّ ChatGPT بواجب المحامي تجاه موكله؟

في يونيو 2023، أصدرت محكمة فيدرالية أمريكية في نيويورك عقوبات بحق محاميين قدّموا للمحكمة لائحة دفاع تستشهد بسوابق قضائية لم توجد قط. كانت ChatGPT قد ابتكرتها بالكامل، بأسماء قضايا وأرقام واقتباسات مزيّفة بثقة كاملة. القضية، Mata v. Avianca، تحولت إلى الحادثة الأكثر استشهاداً في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي والمحاماة. لكن خلف عنوان “الهلوسة القانونية” المثير، تكمن مشكلة أعمق لم تُناقش بالقدر الكافي: ماذا فعل هذان المحاميان بمعلومات موكلهما حين أدخلاها في نموذج لغوي لا يعرفان أين تذهب؟

هذا السؤال يطرق أبواب كل مكتب محاماة عربي يستخدم اليوم أدوات الذكاء الاصطناعي، دون أن يجد إجابة واضحة في نصوصه التشريعية المحلية.

واجب السرية: نص صريح لم يُكتب من أجل الخوارزميات

نظام المحاماة السعودي في مادته الثالثة والعشرين يفرض على المحامي واجباً ملزماً بحفظ أسرار موكله، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من العلاقة الخاصة التي تربط بينهما، ولا يُستثنى من هذا الواجب إلا ما يتطلبه القانون صراحةً لمنع وقوع جريمة جسيمة. النص واضح وصارم. لكنه صيغ في زمن كان “حفظ السر” يعني عدم الإفضاء به لطرف ثالث بشري، لا التفكير في ما يحدث حين يُرفع ملف عقد سري إلى خادم شركة تقنية أمريكية لمعالجته بنموذج لغوي.

المرسوم بقانون الاتحادي الإماراتي بشأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية يحمل روحاً مماثلة، إذ يُحيط ممارسة المهنة بضمانات صارمة تحظر حتى التحقيق مع المحامي أو تفتيش مكتبه دون إذن من النيابة العامة، تأكيداً على حساسية ما يحوزه من معلومات موكليه.

السؤال إذن ليس: هل يوجد واجب سرية؟ الواجب موجود وصريح في كل الأنظمة العربية. السؤال هو: هل يُخالفه المحامي حين يستخدم أداة ذكاء اصطناعي لمعالجة معلومات موكله؟

كيف يحدث الخرق فعلياً؟

تخيّل محامياً في الرياض يُعدّ مذكرة دفاع عن شركة في نزاع تجاري معقد. يفتح ChatGPT أو أي نموذج عام مماثل، ويُلصق فيه نص العقد كاملاً بأسماء الأطراف وقيمة الصفقة وتفاصيل النزاع، طالباً تلخيصه أو صياغة حجة قانونية حوله.

في تلك اللحظة، انتقلت معلومات سرية إلى خوادم شركة خارجية، بشروط استخدام قد تسمح لها باستخدام تلك البيانات لتدريب نماذجها المستقبلية. حين يُدخل المحامي تحت ضغط الوقت وثيقة كاملة تتضمن أسماء الأطراف وشروط الصفقة وأحكاماً سرية في النسخة المجانية من روبوت محادثة استهلاكي، فإنه يُنشئ نسخة غير محكومة من معلومات موكله المحمية بسرية المهنة.

هذا ليس افتراضاً نظرياً. حذّر تقرير قانوني متخصص من أن محامياً يُقدَّم له عقد معقد للمراجعة، وتحت ضغط الوقت، يُلصق الوثيقة كاملةً بما فيها أسماء الأطراف وشروط الصفقة والبنود السرية في نسخة مجانية من روبوت محادثة استهلاكي تسمح شروط استخدامها للشركة المزوّدة باستخدام تلك البيانات لتدريب النموذج.

والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. حتى عند استخدام نسخ مدفوعة أو “مؤسسية” من هذه الأدوات، يبقى السؤال قائماً: من يضمن أن مزوّد الخدمة لا يحتفظ بنسخة من تلك البيانات؟ وأين تُخزَّن جغرافياً؟ وهل تخضع لقوانين حماية بيانات تعترف بها الأنظمة العربية؟

كيف عالجت نقابات المحاماة الغربية هذه الفجوة؟

في يوليو 2024، أصدرت نقابة المحامين الأمريكية رأيها الرسمي رقم 512 بشأن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو أول إطار وطني شامل من نوعه. أوضح الرأي أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في ممارسة المحاماة يستدعي تطبيق قواعد السلوك المهني المتعلقة بالكفاءة والموافقة المستنيرة والسرية والأتعاب بصورة مباشرة. وبموجب القاعدة 1.6 الخاصة بسرية المعلومات، يجب على المحامي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يكون مدركاً لواجبه في حفظ سرية كل المعلومات المتعلقة بتمثيل الموكل، بصرف النظر عن مصدرها، إلا بموافقة مستنيرة من الموكل.

التفاصيل العملية لهذا الإطار لافتة. إذا اختار المحامي استخدام نموذج ذكاء اصطناعي مغلق أو مفتوح، يجب عليه أن يُقيّم ما إذا كانت موافقة موكليه مطلوبة، وأن يراجع بدقة العقد التشغيلي للتأكد من ضوابط السرية في تلك التقنية. وحين يستخدم نموذجاً مفتوحاً دون موافقة الموكل، يتعين عليه إخفاء الهوية أو حذف ما يعتبره الموكل حساساً من المعلومات.

عدة نقابات أمريكية أخرى ذهبت أبعد من ذلك بمتطلبات إفصاح صريحة. فرضت ولاية بنسلفانيا إفصاحاً صريحاً عن استخدام الذكاء الاصطناعي في كل المذكرات المُقدَّمة للمحكمة بدءاً من أغسطس 2024، بينما اشترطت نيويورك حصول المحامين على ساعتين تدريبيتين سنوياً على الأقل في الكفاءة العملية بالذكاء الاصطناعي.

لا يوجد نص مماثل، ولا حتى تعميم استشاري، صادر عن أي نقابة محاماة عربية حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

الفجوة العربية: واجب صريح بلا تطبيق محدّث

هنا يكمن جوهر المشكلة. النظام السعودي والإماراتي وغيرهما من الأنظمة العربية يحملان نصاً صريحاً وصارماً لواجب السرية، لكن أحداً لم يُترجم هذا النص إلى إرشاد عملي يُحدد: هل يجوز إدخال معلومات موكل في نموذج ذكاء اصطناعي؟ وبأي شروط؟ وهل يستوجب ذلك موافقة الموكل الكتابية المسبقة؟

غياب هذا التحديث ليس فراغاً محايداً. هو فراغ يُحمّل كل محامٍ عربي عبء تفسير نص قديم على واقعة تقنية لم يكن مشرّعها يتخيلها، وفي حال حدث خرق فعلي لسرية موكل عبر أداة ذكاء اصطناعي، ستضطر لجان التأديب المهنية إلى تطبيق نص المادة الثالثة والعشرين دون أي معيار محدّد لتقييم درجة الإهمال أو الحيطة المطلوبة.

الفجوة التشريعية العربية في تنظيم الذكاء الاصطناعي ليست محصورة في قطاع القضاء وحده، كما تكشف تحليلاتنا السابقة، لكنها هنا تأخذ بعداً أكثر حساسية لأنها تتعلق بثقة الموكل بمحاميه، وهي علاقة لا تقوم إلا على يقين قانوني واضح بحدود ما يجوز وما لا يجوز.

الجدول التالي يُلخّص الفارق بين الإطارين:

البُعدالنموذج الأمريكي (ABA 512)النموذج العربي الحالي
النص الأساسي لواجب السريةموجود (القاعدة 1.6)موجود (مادة 23 سعودي وما يقابلها)
إرشاد محدّث لاستخدام الذكاء الاصطناعيموجود ومُفصَّلغائب
شرط موافقة الموكل المستنيرةمنصوص عليه صريحاًغير محدد
إلزام بإخفاء الهوية في النماذج المفتوحةمنصوص عليهغير منصوص عليه
متطلبات إفصاح للمحكمةمفروضة في عدة ولاياتغير موجودة

ماذا يفعل المحامي العربي اليوم في غياب النص؟

في غياب إرشاد رسمي، يقع العبء كاملاً على تقدير المحامي الفردي، وهذا بالضبط ما يجعل المخاطر متفاوتة بشدة من مكتب لآخر. بعض المكاتب الكبرى العاملة في الخليج، خصوصاً تلك المرتبطة بشركات محاماة دولية، تطبّق فعلياً سياسات داخلية صارمة مستوحاة من توصيات نقابات أجنبية، فيما يبقى كثير من المحامين المستقلين والمكاتب الصغيرة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية المجانية دون أي بروتوكول واضح.

ثلاثة إجراءات عملية يمكن أن يتبناها المحامي العربي فوراً ريثما تصدر نصوص تنظيمية محلية. الأول: عدم إدخال أي معلومة تُعرّف هوية الموكل أو طبيعة النزاع في نموذج ذكاء اصطناعي عام دون إخفاء الهوية الكامل. الثاني: قراءة شروط استخدام أي أداة بعناية فيما يتعلق بحفظ البيانات واستخدامها للتدريب، وتفضيل الأدوات المؤسسية التي تضمن تعهداً تعاقدياً بعدم الاحتفاظ بالبيانات. الثالث: إخطار الموكل كتابياً، ولو في بند عام ضمن اتفاقية الأتعاب، بأن المكتب يستخدم أدوات ذكاء اصطناعي في سياق العمل، وأن أي معلومة حساسة بشكل خاص يمكن استثناؤها بطلب الموكل.

هذه الإجراءات ليست بديلاً عن تشريع. هي إدارة مخاطر مؤقتة في انتظار نص يُحدد الحدود بدقة.

السؤال الذي تتجنبه نقابات المحاماة العربية

لماذا لم تصدر أي نقابة محاماة عربية رأياً استشارياً بشأن الذكاء الاصطناعي وسرية المهنة حتى الآن، بينما أصدرت أكثر من خمسة وثلاثين هيئة محاماة أمريكية إرشادات مماثلة منذ 2023؟

الإجابة المرجّحة ليست غياب الوعي بالتقنية. المنطقة العربية تتبنى الذكاء الاصطناعي في القضاء والتشريع بوتيرة سريعة، كما يُظهر مكتب الذكاء التشريعي الإماراتي ومسودات قوانين الذكاء الاصطناعي السعودية والبحرينية. الإجابة الأقرب هي أن واجب السرية المهنية يُصنَّف تقليدياً ضمن “أخلاقيات المهنة” الداخلية، لا ضمن التشريع العام الذي يجتذب الانتباه السياسي والاستثماري. وهذا التصنيف بالذات هو الخطأ.

السرية المهنية ليست تفصيلاً أخلاقياً هامشياً. هي الأساس الذي يقوم عليه قرار أي عميل بالثقة في محاميه بأسراره التجارية أو الشخصية. وحين يُترك هذا الأساس دون تحديث في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن الثغرة لا تُصيب المحامي وحده.

تُصيب الموكل الذي لا يعرف أن سره ربما يكون قد غادر المكتب من باب لم يخطر بباله.

الأسئلة الشائعة

هل النسخ المدفوعة أو “المؤسسية” من أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً للمحامي؟

أكثر أماناً نسبياً، لأنها غالباً تتضمن تعهداً تعاقدياً بعدم استخدام البيانات لتدريب النماذج وعدم الاحتفاظ بها. لكنها ليست حلاً نهائياً، فالمحامي يبقى مسؤولاً عن التحقق من بنود تلك العقود ومكان تخزين البيانات جغرافياً، خصوصاً في غياب نص عربي يُحدد معايير قبول هذه الضمانات التعاقدية كافية لاستيفاء واجب السرية المهنية.

ماذا يحدث إذا أدخل محامٍ معلومات سرية عن قضية في أداة ذكاء اصطناعي عامة بدون علم موكله؟

من الناحية النظرية، يُعدّ ذلك مخالفة محتملة لواجب حفظ السر المنصوص عليه في نظام المحاماة، ويمكن أن يُعرّض المحامي للمساءلة التأديبية إن ثبت أن هذا الإفضاء أضرّ بمصلحة الموكل. المشكلة العملية أن الأنظمة العربية لا تملك حتى الآن معياراً واضحاً لتقييم درجة الإهمال في هذه الحالة بعينها، بخلاف النموذج الأمريكي الذي فصّل هذه الحالات في رأي ABA رقم 512.

هل يجوز للمحامي استخدام ChatGPT في إعداد مذكراته القانونية؟

لا يوجد نص عربي يحظر ذلك صراحةً، لكن استخدام النسخ المجانية أو العامة من هذه الأدوات لمعالجة معلومات تخص موكلاً محدداً يُعرّض المحامي لمخالفة واجب السرية المنصوص عليه في نظام المحاماة. الأكثر أمناً هو استخدام النموذج لصياغة عامة أو أبحاث قانونية لا تتضمن أي تفاصيل تُعرّف هوية الموكل أو طبيعة قضيته.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 112