اختراعات الذكاء الاصطناعي وصلت إلى قاعات المحاكم قبل أن تصل إلى طاولات المشرّعين.
«لا يمكن للآلة أن تكون مخترعاً بموجب قانون براءات الاختراع»
في عام 2018، قدّم الباحث الأمريكي ستيفن ثيلر طلبات تسجيل براءات اختراع في أكثر من عشرين دولة، مُدرجاً في خانة المخترع اسماً واحداً: DABUS، وهو نظام ذكاء اصطناعي طوّره بنفسه. لم تكن هذه مناورة قانونية بل اختباراً مقصوداً لحدود القانون. ردّت مكاتب براءات الاختراع في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة بالرفض، مستندةً إلى مبدأ واحد راسخ: المخترع يجب أن يكون إنساناً. لكن جنوب أفريقيا منحت البراءة عام 2021، وأستراليا قبلتها مؤقتاً قبل أن تتراجع بحكم استئنافي. من هذا الاختلاف في مواقف الدول ذاتها يبدأ السؤال الحقيقي: هل القانون الحالي لبراءات الاختراع قادر على استيعاب عالم تُولِّد فيه الخوارزميات اختراعات حقيقية بمفردها؟
المبدأ القانوني الراهن وأزمته
قانون براءات الاختراع في معظم دول العالم يستند إلى مفهوم الاختراع البشري استناداً عضوياً لا عرضياً. المادة 100 من قانون براءات الاختراع الأمريكي تعرّف المخترع بأنه «الشخص أو الأشخاص» الذين توصّلوا إلى الاختراع. كلمة «شخص» في هذا السياق فسّرتها المحاكم تاريخياً بوصفها دالّة على إنسان واعٍ. وحين رفض مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي USPTO طلبات DABUS، صدر قراره بحجة صريحة: قانون براءات الاختراع الأمريكي لا يتصوّر مخترعاً غير بشري.
محكمة الاستئناف الفيدرالية الأمريكية أكّدت هذا القرار في قضية Thaler v. Vidal عام 2022 بلغة لا تحتمل التأويل: «المخترع» في نصوص القانون الأمريكي لا ينطبق إلا على الفرد البشري. أما مكتب براءات الاختراع الأوروبي EPO فرفض طلبات DABUS هو الآخر، لكنه أضاف ملاحظة مهمة: رفضه لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يُسهم في الاختراع، بل يعني أن القانون الحالي لا يعترف به مخترعاً مستقلاً.
هذا التمييز الدقيق الذي أبداه الأوروبيون يكشف جوهر المشكلة: القانون لم يُصغ ليمنع الاعتراف بالذكاء الاصطناعي مخترعاً، بل صِيغ ببساطة في زمن لم يكن هذا الاحتمال وارداً.
حين تتشقق القاعدة: المملكة المتحدة وأستراليا
الأكثر دلالةً ليس الرفض القاطع، بل التشقق الذي بدأ يظهر في الأنظمة القانونية المتوافقة تقليدياً.
أستراليا أعطت أوضح مثال على هذا التشقق. في عام 2021، قضت محكمة فيدرالية ابتدائية بأن قانون براءات الاختراع الأسترالي لا يمنع صراحةً من أن يكون المخترع نظاماً ذكياً، وأن الصمت التشريعي لا يُساوي الحظر. لكن محكمة الاستئناف الكاملة عكست الحكم عام 2022، معيدةً التفسير إلى المعيار التقليدي. المهم هنا ليس النتيجة النهائية، بل أن القضية أثبتت إمكانية وجود تفسيرات مشروعة مختلفة داخل النص القانوني ذاته.
المملكة المتحدة سارت في مسار مختلف: رفضت مكتب براءاتها UKIPO طلبات DABUS، وأكّدت المحاكم هذا الرفض. لكن المكتب أطلق عام 2022 نقاشاً عاماً حول مستقبل حقوق الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي، خلص إلى أن الإطار القانوني الراهن بحاجة إلى مراجعة دون أن يُحدد كيفيتها. هذا الاعتراف الرسمي بالقصور التشريعي من دولة عريقة في قانون الملكية الفكرية له وزن رمزي وعملي لا يُستهان به.
المشكلة الأعمق: الاختراع المشترك وضبابية الإسهام
قضية DABUS نموذج حدّي مقصود للاختبار. الواقع أكثر تعقيداً.
معظم الاختراعات المدعومة بالذكاء الاصطناعي اليوم ليست من نوع «الآلة اخترعت وحدها»، بل هي ناتج تفاعل بين مهندس بشري يطرح المشكلة ويُقيّم الحلول، ونموذج ذكاء اصطناعي يُولّد مقترحات ويُعيد الاستكشاف بسرعة تفوق الطاقة البشرية بمراتب. شركة Insilico Medicine، وفق ما أفادت به تقارير Nature Biotechnology، استخدمت نماذج ذكاء اصطناعي في تحديد جزيء دوائي مرشح لعلاج تليف الرئة في وقت قياسي. المخترع الرسمي في طلب البراءة: فريق بشري. لكن دور الذكاء الاصطناعي في توليد الاكتشاف لا يمكن وصفه بأنه مجرد أداة كالميكروسكوب.
هنا يظهر ما يمكن تسميته «مشكلة الإسهام الضبابي»: القانون يتطلب تحديد من توصّل إلى «الخطوة الإبداعية» في الاختراع. حين تُولّد خوارزمية آلاف الاحتمالات ويختار الإنسان من بينها، أين يقع الإسهام الجوهري؟ قواعد المشاركة في الاختراع inventor-ship المعمول بها في قانون براءات الاختراع بُنيت لحالات إنسان مع إنسان، ولا تُجيب عن هذا السؤال بأدواتها الحالية.
من يقبض العائد حين تكون الآلة هي المبدعة؟
السؤال القانوني لا ينفصل عن سؤال اقتصادي جوهري: إذا أنتج ذكاء اصطناعي اختراعاً تجارياً قيّماً، فمن يحقّ له الانتفاع به؟
ثمة ثلاثة مطالبين محتملين يتقاطعون في كل حالة: مطوّر النموذج الذي بنى النظام وأمضى سنوات في تدريبه، والشركة التي وظّفت النموذج في سياق بحثي محدد، والمهندس البشري الذي أدار العملية وصاغ المشكلة. النظام القانوني الحالي يُرجّح الشركة صاحبة العمل في معظم الأنظمة القانونية عبر مبدأ ملكية صاحب العمل للاختراعات المُنجزة أثناء العمل، لكن هذا المبدأ افترض دائماً مخترعاً بشرياً تعمل الشركة من خلاله.
الفراغ الفعلي يظهر حين لا يكون ثمة إنسان محدد قابل للإسناد. لا أحد يملك البراءة، ولا أحد يتمتع بالحماية القانونية. هذا يعني أن المنافس قادر من الناحية النظرية على نسخ الاختراع ذاته دون أي مساءلة قانونية في كثير من الأنظمة. وهو ما يُقوّض الحافز الاقتصادي الذي قام عليه نظام براءات الاختراع أصلاً: الحماية مقابل الإفصاح.
الوضع العربي: هياكل مستوردة وأسئلة غائبة
القانون العربي في هذا الملف يعكس النمط العام: أُطر مستوردة من اتفاقيات دولية كاتفاقية TRIPS وأنظمة قانونية غربية، دون تطوير اجتهادي يُعالج ما طرأ بعد صياغتها.
نظام براءات الاختراع السعودي المعمول به يستند في بنيته إلى نظام براءات الاختراع الخليجي الصادر عام 1992 وتعديلاته، والذي بدوره يتوافق مع متطلبات TRIPS. المخترع في هذا الإطار «شخص طبيعي» أو «شخص اعتباري» بمعنى الشركة. لا يوجد نص صريح يحسم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُدرج في أي من هاتين الخانتين، ولا توجد سوابق قضائية موثقة تتعلق بهذه المسألة تحديداً في أي دولة خليجية حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
الإمارات أصدرت قانون المعاملات التجارية الإلكترونية ولوائح الملكية الفكرية المحدّثة، لكن أياً منهما لا يتطرق إلى إشكالية الاختراع بالذكاء الاصطناعي. مصر يُنظّم فيها قانون الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 براءات الاختراع بأحكام لا تختلف جوهرياً عن المعيار الدولي التقليدي، وتشترط «الجهد الإبداعي» دون أن تُحدد طبيعة مصدره.
الغريب أن هذا الفراغ يشمل دولاً تعلن تحوّلات رقمية طموحة وتضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي. قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي وأثره على التشريع العربي يُجسّد هذه الهوّة بين الإعلان السياسي والبناء التشريعي.
ما الذي يعنيه هذا عملياً؟ شركة تقنية عربية تستخدم نظاماً ذكياً لتوليد اختراع في مجال الأدوية أو المواد أو البرمجيات لا تملك حتى اليوم إطاراً قانونياً واضحاً يحدد من يملك هذا الاختراع، أو ما إذا كان قابلاً للحماية أصلاً، أو كيف تتصرف في مواجهة منافس ينسخه. إشكاليات حقوق الملكية الفكرية الرقمية في السياق العربي توثّق حالات متكررة من هذا النوع.
ما يحتاجه القانون: موقف تحليلي
أُقدّم هنا تقديراً واضحاً: الحل ليس منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية للاختراع، بل إعادة تعريف مفهوم «الإسهام الاختراعي» ليستوعب أشكال التعاون الإنساني الآلي.
المقاربة الأمثل هي تطوير تصنيف قانوني ثلاثي: اختراع بشري خالص تُستخدم فيه أدوات ذكاء اصطناعي مساعدة وتبقى الحماية كاملة للمخترع البشري، واختراع مشترك يُسهم فيه الذكاء الاصطناعي بالخطوة الإبداعية الجوهرية وتنتقل فيه الحقوق إلى الكيان القانوني المسؤول عن النموذج بشروط محددة، واختراع آلي مستقل يتطلب نوعاً جديداً من الحماية المحدودة المدة تذهب عائداته إلى صندوق عام أو لمطوّر النموذج وفق معايير محددة.
هذه ليست فكرة بلا سابقة. نظام الملكية المؤسسية لاختراعات الموظفين في قانون الملكية الفكرية طوّر تدريجياً قواعد مختلفة لسيناريوهات مختلفة. المنطق نفسه يمكن تطبيقه هنا.
ما يتعذر قبوله هو الاستمرار في نظام يُعطي الشركات الكبرى المطوّرة للنماذج ميزة قانونية ضمنية: هي المستفيد الوحيد القادر على المطالبة بالاختراعات المُولَّدة بأنظمتها، لأن موظفيها البشريين هم الوحيدون القادرون على التسجيل القانوني. هذا التمركز للملكية الفكرية في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى يُعيد توزيع ثمار الابتكار بطريقة لم تختَرها السياسات العامة بوعي، بل وقعت فيها بسبب الصمت التشريعي.
نظام براءات الاختراع كما نعرفه أُسّس على فكرة واحدة: إعطاء المبدع حافزاً للإفصاح عن اختراعه مقابل حماية مؤقتة. الذكاء الاصطناعي لا يحتاج حافزاً، ولا يمتلك مصلحة في الإفصاح أو الكتمان. حين تنهار الافتراضات الأساسية لنظام قانوني، لا يكفي ترقيع النصوص. والسؤال الذي لم تُجب عنه أي دولة عربية بعد هو: هل ستنتظر حتى تظهر الإشكاليات أمام قضاء غير مستعد، أم تبني الإطار قبل أن تفقد القدرة على رسم ملامحه؟



