هل يقود الذكاء الاصطناعي النمو الاقتصادي في المنطقة العربية؟

الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي أصبحا من أكثر الملفات تأثيراً في مستقبل المنطقة العربية، وسط تحولات قد تعيد تشكيل الوظائف والإنتاجية وموازين التنافس خلال العقد المقبل.

في أبريل 2024، نشر صندوق النقد الدولي تقريراً استثنائياً خلص إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في أربعين بالمئة من الوظائف عالمياً، وأن هذا التأثير لن يكون موزّعاً بالتساوي. في الدول المتقدمة سيطال ستين بالمئة من الوظائف. في الدول النامية والأسواق الناشئة، الرقم أقل، لكن السبب ليس الحماية بل الغياب: هذه الدول لم تدخل بعد في الاقتصاد الرقمي بالعمق الكافي لتشعر بالتأثير الكامل، وهذا بحد ذاته مشكلة لا ميزة.

المنطقة العربية تواجه اليوم معضلة مزدوجة لم تواجهها أي موجة تقنية سابقة بهذا الشكل. الثورة الصناعية أتاحت للدول المتأخرة أن تلحق بركب التصنيع بعد عقود. ثورة الإنترنت أتاحت قدراً من التوزيع الجغرافي للفرص. الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي المرتبط به يُهدد بعكس هذا المنطق تماماً: تمركز المكاسب في الدول التي تمتلك البنية التحتية البيانية والقدرة الحوسبية والكفاءات البشرية المتخصصة، وهي بالمصادفة الدول الغنية نفسها.

ما يقوله صندوق النقد وما لا يقوله

تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يناير 2024 يحمل تحذيرات واضحة لكنه يحمل أيضاً فجوات تحليلية تستحق التوقف. التقرير يُشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية الكلية بنسب كبيرة، وأن الدول التي تتبنّاه مبكراً ستجني مكاسب تنافسية ضخمة. لكنه يُحذّر في الوقت ذاته من أن الانتقال سيكون مؤلماً لأسواق العمل، ولا سيما في القطاعات الخدمية المتوسطة المهارة التي تُشكّل العمود الفقري لطبقة الدخل المتوسط في كثير من الدول النامية.

ما لا يقوله التقرير بوضوح كافٍ هو أن الفجوة بين المنطقة العربية والشمال العالمي في الذكاء الاصطناعي ليست فجوة وصول فحسب، بل فجوة بيانات بنيوية. النماذج اللغوية الكبرى تعتمد في تدريبها على بيانات إنترنت تعكس في الغالب اللغة الإنجليزية والثقافة الغربية. الشركات التي تبني هذه النماذج أمريكية وصينية في معظمها. والدول التي تستهلك هذه النماذج دون أن تُنتجها تظل في موقع من يستخدم أداة لا تعرفه ولا تفهم سياقه.

وهذا ما رصده تحليل الفجوة بين استهلاك الذكاء الاصطناعي وإنتاجه في العالم الإسلامي بأرقام تُظهر حجم الاختلال بين الطرفين.

لماذا قد تتسع الفجوة الرقمية في المنطقة العربية؟

في عام 2023، كان ما يزيد على ثلاثة مليارات إنسان لا يزالون خارج الإنترنت وفق تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، وتحتل المنطقة العربية جزءاً غير صغير من هذا الرقم، لا سيما في اليمن وموريتانيا والعراق خارج المدن الكبرى. هؤلاء لم يستوعبوا بعد تداعيات ثورة الإنترنت على أسواق عملهم ومجتمعاتهم، والآن يواجهون موجة ثانية أكثر عمقاً وأسرع وتيرة.

المنطق التنموي التقليدي كان يقول: الدول المتأخرة تستطيع القفز عبر مراحل التطور التقني، كما فعلت أفريقيا حين قفزت من غياب الهاتف الأرضي إلى الهاتف المحمول مباشرة. لكن هذا المنطق يعمل حين تكون التقنية الجديدة أرخص وأسهل من القديمة. الذكاء الاصطناعي ليس كذلك.

يستلزم بنية تحتية حوسبية ضخمة، وكفاءات بشرية متخصصة نادرة، وبيانات محلية وفيرة ومُهيكَلة، وبيئة تنظيمية ناضجة. كل هذه المتطلبات تميل لصالح الدول الغنية لا الفقيرة. الخطر الحقيقي ليس أن المنطقة العربية ستُحروم من الذكاء الاصطناعي، بل أنها ستستخدمه كمستهلك دون أن تكون طرفاً في إنتاجه وتوجيهه وتحديد أولوياته. وهذا بالضبط ما حدث مع الإنترنت ومع منصات التواصل الاجتماعي التي تحصد إعلاناتها من الجمهور العربي وتوجّه خوارزمياتها من مكاتب في سان فرانسيسكو.

الذكاء الاصطناعي وسوق العمل العربي: أين يكمن الخطر؟

النقاش السائد حول الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي وسوق العمل ينقسم إلى معسكرين: متفائلون يرون أن التقنية ستخلق وظائف جديدة كما فعلت الثورات السابقة، ومتشائمون يرون أن هذه المرة مختلفة لأن الذكاء الاصطناعي يُهدد المهارات المعرفية لا اليدوية فحسب. كلا المعسكرين يتحدث في الغالب عن الاقتصادات المتقدمة.

في المنطقة العربية، المعادلة أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً. قطاع الخدمات، وتحديداً مراكز الاتصال والبيانات والمحاسبة والترجمة والتدقيق، كان يمثّل للكثير من دول المنطقة نافذة لتصدير العمالة المتعلمة إلى الاقتصاد الرقمي العالمي. مصر والمغرب والأردن وتونس سلكت هذا المسار بدرجات متفاوتة، وبنت عليه جزءاً من استراتيجياتها في امتصاص البطالة بين الشباب المتعلم.

وفق تقرير منظمة العمل الدولية الصادر عام 2023، القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة هي تحديداً القطاعات التي تعتمد عليها هذه الدول في تصدير خدماتها. حين يستطيع نموذج لغوي أداء مهام الترجمة والتلخيص والكتابة والتدقيق بكسور من تكلفة العامل البشري، تتبدّد الميزة التنافسية التي بنتها هذه الدول على رخص العمالة المتعلمة.

لكن الأمر لا يقف هنا. الذكاء الاصطناعي يُهدد أيضاً قطاعات لم تكن في دائرة الخطر حتى وقت قريب: المحاسبة القانونية، والترجمة القانونية، وبعض مهام التحليل المالي الأساسي، وكتابة التقارير الروتينية. وهذه القطاعات تستوعب شريحة واسعة من خريجي الجامعات العربية ممن حملوا شهادات متخصصة وكانوا يعتقدون أن تعليمهم يمنحهم حصانة من الأتمتة.

النموذجان العربيان: خليج يستثمر ودول تتعثر

المنطقة العربية تعيش تجربتَين متوازيتَين لا تجربة واحدة، ويكشف الجدول التالي حجم الهوّة بينهما:

المحوردول الخليجالدول العربية الأخرى
الاستثمار في الذكاء الاصطناعيمليارات الدولارات حكومياًمحدود وغير منهجي
البنية التحتية الرقميةمتقدمة ومتوسعةمتفاوتة وغير مكتملة
نماذج ذكاء اصطناعي محليةFalcon الإماراتي، مبادرات سعوديةشبه غائبة
سوق العملنسب بطالة منخفضة، عمالة وافدةبطالة هيكلية في الشباب المتعلم
السياسة التنظيميةاستراتيجيات وطنية معلنةفي طور التشكّل أو غائبة
الخطر الرئيسيالتبعية التقنية رغم الثروةإزاحة الوظائف الخدمية دون بدائل

النموذج الخليجي يضخ المليارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية بدوافع استراتيجية واضحة. الإمارات طوّرت نموذج Falcon اللغوي عبر مؤسسة الإمارات للذكاء الاصطناعي، وصنّفته المعايير المستقلة ضمن أقوى النماذج مفتوحة المصدر في وقته. السعودية أطلقت مركز الملك عبدالعزيز للحوسبة السحابية وتستضيف شراكات مع Nvidia وGoogle وMicrosoft بحجم غير مسبوق في المنطقة. قطر تستثمر في البنية التحتية الرقمية ضمن خطط تنويع اقتصادية تتجاوز النفط والغاز. وما يجري في هذا السياق من تحولات تُعيد رسم خرائط القوة الرقمية يجعل الرهان الخليجي أحد أكثر التجارب التنموية إثارة في العقد القادم.

لكن حتى النموذج الخليجي لا يخلو من إشكاليات بنيوية عميقة. الاستثمار الضخم في البنية التحتية لا يُنتج بالضرورة قدرة إنتاجية تقنية حقيقية. استضافة مركز بيانات لـ Microsoft لا تعني امتلاك القدرة على تصميم النماذج التي تعمل عليه. وضخ مليارات في شراكات مع شركات غربية وصينية قد يُعمّق التبعية التقنية بدلاً من أن يُقلّصها إذا لم يترافق مع استثمار جاد في تطوير الكفاءات المحلية وبناء منظومة بحث وتطوير ذاتية.

النموذج الثاني هو بقية الدول العربية: مصر والمغرب والأردن وتونس والعراق والجزائر. في هذه الدول، الذكاء الاصطناعي يصل أولاً بوصفه أداة استهلاكية: ChatGPT للطالب، وأدوات الكتابة للمحتوى، وبرامج التصميم للمبدعين. الاستفادة الاقتصادية الكبرى تظل بعيدة لأنها تستلزم منظومة بحث وتطوير وبيئة شركات ناشئة وسياسة صناعية لا تزال في طور التشكّل في معظم هذه الدول.

البطالة الهيكلية في المنطقة مشكلة قائمة قبل الذكاء الاصطناعي. ما يفعله الذكاء الاصطناعي هو أنه يُضيق الخيارات المتاحة أمام الحلول التقليدية، ويُزيل بعض المنافذ التي كانت تُخفّف الضغط الاجتماعي.

لماذا أصبحت البيانات أصلًا اقتصادياً حاسماً؟

ثمة بُعد يغيب عن معظم النقاشات العربية حول الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي: بُعد البيانات. النماذج اللغوية والتوليدية تحتاج في تدريبها إلى كميات هائلة من البيانات المحلية لتكون فعّالة في السياقات المحلية. الدول التي لا تبني منظومات لجمع البيانات وتنظيمها وتوظيفها ستجد أن الذكاء الاصطناعي الذي تستخدمه لا يفهم سياقها الاقتصادي والاجتماعي والقانوني، وستظل رهينة نماذج مُصمَّمة للسياق الغربي أو الصيني.

مصر مثلاً تمتلك من الثروة البيانية ما يجعلها قادرة نظرياً على بناء نماذج ذكاء اصطناعي للسوق العربية بكاملها: مئة مليون مستخدم ناطق بالعربية، قطاع إعلامي وأدبي وقانوني ضخم متراكم على مدى قرن، وسجلات طبية وتجارية وقضائية هائلة. لكن هذه البيانات غير مُهيَّكَلة وغير رقمية في كثير من الأحيان، وتفتقر إلى منظومة حوكمة تُتيح توظيفها اقتصادياً وتُحدّد حقوق الملكية فيها وتُنظّم الوصول إليها. الثروة موجودة والأداة التي تستلزمها موجودة، والمفقود هو السياسة التي تربطهما. وهذا ما يُفسّر جزئياً لماذا يظل العرب مستهلكين لا منتجين في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.

المغرب يُقدّم نموذجاً أكثر تفاؤلاً في هذا الإطار. الاستثمار المبكر في البنية التحتية الرقمية وقطاع الخدمات التقنية الموجّهة للتصدير الأوروبي بنى قاعدة كفاءات محلية تجعل المغرب أكثر استعداداً من كثير من نظرائه العرب لاستيعاب الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة إنتاج لا مجرد أداة استهلاك. التجربة المغربية تُظهر أن السياسة الصناعية المتسقة، حتى حين تكون متواضعة الحجم، تبني أرضاً أكثر صلابة من الاستثمارات الضخمة غير المترافقة مع بناء القدرة المحلية.

التعليم العربي أمام اختبار الذكاء الاصطناعي

أي نقاش جاد حول الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي في المنطقة العربية يجب أن يتوقف عند المنظومة التعليمية لأنها الحلقة الأضعف والأكثر تأثيراً في الوقت ذاته.

معظم الجامعات العربية لا تزال تُخرّج خريجين بمناهج صُمّمت في عقود سابقة لسوق عمل لم يعد موجوداً بنفس الشكل. خريج المحاسبة يتعلم مهارات يؤديها اليوم برنامج محاسبة بتكلفة أقل وسرعة أكبر. خريج الترجمة يواجه أدوات ترجمة آلية بلغت مستوى احترافياً كافياً للكثير من الاستخدامات التجارية. خريج البرمجة الأساسية يجد أن GitHub Copilot وأمثاله تُؤدي شطراً كبيراً مما تعلّمه.

المطلوب ليس إلغاء هذه التخصصات، بل إعادة تعريف ما يعنيه التخصص في عصر الذكاء الاصطناعي. المحاسب الذي يفهم كيف يُدقّق نتائج البرامج المحاسبية ويكتشف أخطاءها لا يزال ضرورياً. المترجم الذي يُحرّر مخرجات الترجمة الآلية ويُكيّفها للسياق الثقافي لا يزال ذا قيمة. المبرمج الذي يفهم بنية النماذج اللغوية ويستطيع توجيهها لا يزال نادراً ومطلوباً.

التحوّل المطلوب في التعليم ليس تقنياً فحسب. هو تحوّل في فلسفة التعليم ذاتها: من تعليم المهارة إلى تعليم التفكير في المهارة، ومن حفظ المعلومة إلى تقييم المعلومة، ومن أداء المهمة إلى الحكم على جودة أداء الآلة لها.

سيناريوهان لا ثالث لهما

وفق تقرير البنك الدولي حول مستقبل العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المنطقة أمام مفترق طريقين لا وسط بينهما على المدى البعيد.

السيناريو الأول هو التكيّف الاستباقي: دول تستثمر الآن في تحديث مناهجها التعليمية، وتبني بيئات تنظيمية للشركات الناشئة التقنية، وتضع سياسات بيانات وطنية واضحة، وتُطوّر كفاءات محلية في بناء الذكاء الاصطناعي لا فقط استخدامه. هذا السيناريو يستلزم قرارات سياسية صعبة وتمويلاً طويل الأمد وصبراً لا تُتيحه ضغوط الأزمات الاقتصادية اليومية.

السيناريو الثاني هو الاستجابة المتأخرة: دول تنتظر حتى يتضح حجم التأثير قبل أن تتحرك، وتكتفي باستيراد الحلول الجاهزة وتطبيقها. في هذا السيناريو تتراكم الوظائف المُزاحة قبل أن تتوفر البدائل، وتتوسّع الفجوة بين الشباب المتعلم الذي لا يجد عملاً والاقتصاد الذي لا يجد الكفاءات التي يحتاجها.

المشكلة أن معظم الدول العربية تسير بخطى متثاقلة نحو السيناريو الثاني لا لغياب الوعي، بل لأن ضغوط الحاضر الاقتصادية والسياسية تُصعّب الاستثمار في أُفق زمني بعيد. وهو نمط مألوف في تاريخ المنطقة مع كل موجة تقنية سابقة.

الذكاء الاصطناعي لن يكون عادلاً بطبيعته. لا توجد تقنية في التاريخ توزّعت مكاسبها بالتساوي بين من أنتجها ومن استهلكها. السؤال ليس إذا كانت المنطقة العربية ستستفيد من النمو الاقتصادي الذي يُوعد به الذكاء الاصطناعي، بل كيف تبني موقعاً في هذه المنظومة يتجاوز دور المستهلك الدائم.

والإجابة لن تأتي من تقارير صندوق النقد ولا من مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الكبرى. ستأتي من قرارات صغيرة ومتراكمة في وزارات التعليم وهيئات الاستثمار وغرف الصناعة. من يتخذها مبكراً يبني موقعاً. من يؤجّلها يجد أن الموقع قد شُغل، وأن التكلفة تضاعفت.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 103