هل يمكن للذكاء الاصطناعي سرقة حقوق المؤلف؟

⏱️ 8 دقيقة قراءة

في ديسمبر 2023، رفعت صحيفة نيويورك تايمز دعوى قضائية ضد شركتَي OpenAI وMicrosoft أمام المحكمة الفيدرالية في مانهاتن، مدّعيةً أن نماذج الذكاء الاصطناعي تدرّبت على ملايين المقالات الصحفية المملوكة لها بدون ترخيص. لم يكن اللافت في الأمر ضخامة الصحيفة، بل طبيعة الحجة القانونية: فالنماذج لم تكتفِ بالتعلم من النصوص، بل راحت أحياناً تعيد إنتاجها بدقة حرفية تتجاوز أي تعريف معقول للاقتباس. هذه الدعوى لم تكن منعطفاً قضائياً فحسب؛ فقد كاشفة عن تناقض بنيوي عميق بين منطق قانون حقوق المؤلف كما صِيغ في القرن العشرين، وبين الطريقة التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي التوليدي في القرن الحادي والعشرين.

وبناءا عايه فان السؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس فلسفياً؛ بل هو سؤال قانوني عملي : يتعلق بالاساس بهل الإطار التشريعي القائم قادر على الإجابة، أم أننا أمام فراغ حقيقي تملؤه الدعاوى القضائية بدل القوانين؟

مرحلة التدريب: استخدام عادل أم انتهاك لحقوق المؤلف؟

يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على مرحلتين متمايزتين تقنياً وقانونياً: مرحلة التدريب، ومرحلة الإنتاج. وفي مرحلة التدريب تحديداً تبدأ المشكلة الأشد تعقيداً.

حين تستوعب شركة مطوِّرة مليارات الصفحات من النصوص المحمية لبناء نموذجها اللغوي، هل تنتهك بذلك حقوق المؤلف؟ يقول المدافعون عن شركات التقنية إن العملية تندرج تحت مبدأ «الاستخدام العادل» Fair Use المنصوص عليه في المادة 107 من قانون حقوق المؤلف الأمريكي لعام 1976، وأن التعلم الآلي «تحويلي» بطبيعته لا ناسخ. غير أن المحاكم لم تحسم هذه المسألة بحكم قاطع حتى الآن، وما صدر من قرارات أولية يُلمّح إلى أن المسألة ليست بهذه البساطة.

في قضية Andersen v. Stability AI التي رفعتها مجموعة من الفنانين البصريين، أقرّت المحكمة الفيدرالية في كاليفورنيا بأن الدعوى قابلة للمضي وأن ادعاءات انتهاك حقوق المؤلف ذات أساس إجرائي، رافضةً إسقاطها في مرحلة الطعن المبكر. أما Getty Images في دعواها ضد Stability AI أمام المحكمة العليا البريطانية، فقد أفضت إلى دعوى قد تبلغ تعويضاتها القانونية القصوى 1.8 تريليون دولار وفق تقديرات الأضرار النظامية، مستندةً إلى أن النموذج أنتج صوراً تحمل العلامة المائية لـGetty مشوَّهةً وهو دليل تقني على أن النموذج لم «يتعلم» بالمعنى المجازي، بل احتفظ فعلياً بأجزاء من البيانات المحمية.فما يبدو كـ”تعلم” في الخطاب التقني، قد يكون في الواقع شكلاً معقّداً من إعادة تركيب البيانات المحمية.

هنا تظهر الفجوة بين ما يقوله القانون وما تفعله التقنية: قانون حقوق المؤلف يحمي «التعبير»، لا «الأفكار» ولا «الأساليب». لكن حين يُنتج النموذج نصاً يُعيد بناء فقرة محمية بدقة تامة، أين تقع الحدود؟ النموذج لا «ينقل» الملفات، لا يُخزّن نصاً خاماً كما يفعل موقع القرصنة التقليدي. لكنه في الوقت ذاته ليس قارئاً بشرياً يستلهم ويعيد الإبداع. هو كيان إنتاجي لا سابقة له في مفردات التشريع الكلاسيكي.

مشكلة المخرجات: حين يصبح الإنتاج انتهاكاً

إذا كانت مرحلة التدريب تفتح باب جدل قابل للتحكيم بمبدأ الاستخدام العادل، فإن مرحلة الإنتاج تطرح إشكالية أخرى أشد وضوحاً.

مبدأ حقوق المؤلف في جوهره يحمي من «الاستنساخ الجوهري»، وهو مفهوم طوّرته المحاكم الأمريكية والأوروبية عبر عقود. المقياس ليس النسخ الحرفي فحسب، بل ما يُعرف بـ«الشبه الملحوظ» Substantial Similarity. فحين يصبح بالإمكان إعادة إنتاج النص دون الاحتفاظ به، يفقد مفهوم “النسخ” معناه التقليدي، ويصبح القانون أمام سلوك لا يملك له توصيفاً دقيقاً. وفي قضية نيويورك تايمز، قدّم المحامون أمثلة موثقة على مقاطع من مقالات بعينها أعاد النموذج كتابتها كلمةً بكلمة حين طُلب منه الاقتباس منها. هذا ليس شبهاً ملحوظاً؛ هذا نسخ.

غير أن المسألة تتشعّب حين يتعلق الأمر بالإنتاج الفني والإبداعي. حين يُولّد نموذج توليدي بصري صورةً «بأسلوب فان غوخ»، لا تُنتهك حقوق المؤلف لأن الأسلوب غير محمي قانوناً. لكن حين يُولّد تكويناً متطابقاً لعمل محمي مسجّل، يتحوّل الأمر. قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي AI Act يُلزم في المادة 53 منه مطوري النماذج التوليدية العامة بالإفصاح عن مصادر بيانات التدريب، لكنه لا يحلّ سؤال المسؤولية القانونية عن المخرجات بشكل مباشر؛ يتركها لأحكام حقوق المؤلف المعمول بها في كل دولة.

اللافت أن الصين تقدّمت تشريعياً في هذه النقطة بشكل غير مألوف: لوائح الذكاء الاصطناعي التوليدي الصينية الصادرة في 2023 تشترط صراحةً احترام حقوق الملكية الفكرية في مخرجات الخدمات، وتضع على مزوّدي الخدمة مسؤولية تعويض المتضررين. هذا نموذج تشريعي يُرسّخ المسؤولية على مزوّد الخدمة لا على المستخدم، وهو خيار يُحوّل الامتثال القانوني من مسألة فردية إلى التزام مؤسسي مدمج في بنية الخدمة ذاتها.

من يملك ما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

ثمة وجه آخر للمسألة غالباً ما يُطرح في معرض حديث مغاير: إذا أنتج الذكاء الاصطناعي عملاً أدبياً أو فنياً، فهل يملك أحد حقوق المؤلف عليه؟

المكتب الأمريكي لحقوق المؤلف أجاب بوضوح في سياسته الصادرة عام 2023: لا حماية لما أنتجه الذكاء الاصطناعي استقلالاً دون مساهمة إبداعية بشرية موثقة. الحماية تتطلب «تأليفاً بشرياً»، وهو شرط راسخ في الاجتهاد القضائي الأمريكي منذ قضية Burrow-Giles عام 1884. في قضية Thaler v. Vidal المتعلقة ببراءات الاختراع، قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية الأمريكية بأن المخترع يجب أن يكون إنساناً وإن كان انسحاب هذا المنطق على حقوق المؤلف لم يُرسَّخ بحكم مستقل حتى الآن، فإن توجه الأجهزة التنظيمية الأمريكية يسير في الاتجاه ذاته. الاتحاد الأوروبي يُجري في الاتجاه ذاته إجمالاً، وإن كانت بعض دوله كإسبانيا تُعطي الشركات المطوّرة حقوقاً مشتقة محدودة.

هذا الوضع يُفرز ثغرة تجارية حقيقية: الشركات التي تُطلق محتوى مُولَّداً بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي قد لا تملك عليه أي حماية قانونية، ما يعني أن منافساً يمكنه نسخه حرفياً دون أي مساءلة. المحتوى التوليدي بلا تأليف بشري هو محتوى بلا مالك قانوني في أغلب الأنظمة الراهنة , و المفارقة هنا أن النظام القانوني يحمي ما يصعب إنتاجه، بينما يعجز عن حماية ما يمكن إنتاجه بكثافة.. هيكل الملكية الفكرية في اقتصاد المعرفة الرقمي يقوم على افتراضات لم تعد تتطابق مع واقع الإنتاج الحالي.

الفجوة العربية: غياب التشريع أم تأخره؟

حين ننقل هذا التحليل إلى السياق العربي، يتضاعف التعقيد.

معظم قوانين حقوق المؤلف في المنطقة صِيغت قبل عقود وتفتقر إلى أي إشارة للذكاء الاصطناعي أو المحتوى التوليدي. القانون المصري رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية، الذي يُعدّ من أكثر القوانين العربية تفصيلاً، يُعرّف المصنف بأنه كل عمل «مبتكر» ينتج عن «جهد إبداعي»، دون أن يُحسم ما إذا كان الاجتهاد التفسيري القضائي يمكنه استيعاب مخرجات الذكاء الاصطناعي. القانون الإماراتي للملكية الفكرية ونظام حقوق المؤلف السعودي يقعان في الإشكالية ذاتها: أُطر تشريعية صِيغت لحماية إبداع بشري في عالم كان التمييز بين المؤلف وأدواته أمراً بديهياً، لكن هذا الوضوح البديهي تقوّضه اليوم نماذج لغوية تُنتج نصاً لا يمكن التمييز بالعين المجردة بينه وبين نص بشري.

الإبداع العربي في منطقة غير مرئية

في السياق العربي، لا تظهر الإشكالية في صورة نزاعات قضائية بقدر ما تتجلى في صمتها. النصوص التراثية، المقالات الصحفية، وحتى المحتوى المعاصر المنشور على المنصات الرقمية، كلها تُشكّل مادة خامًا محتملة لتدريب النماذج، دون أن يملك أصحابها معرفة أو سيطرة فعلية على هذا الاستخدام. الكاتب الذي ينشر اليوم نصًا إبداعيًا لا يعرف إن كان سيبقى في حدود قرائه، أم سيتحول إلى جزء غير مرئي من ذاكرة نموذج لغوي يعيد إنتاجه دون إسناد. هنا لا تبدو المشكلة كاعتداء مباشر، بل كفقدان تدريجي للصلة بين المبدع وأثره.

والأمر لا يقتصر على التشريع؛ إذ تمتلك المنطقة العربية حالة اختبارية ذات أهمية قانونية خاصة. نموذج Jais، النموذج اللغوي الإماراتي الكبير الذي أطلقه مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، استند في تدريبه إلى مجموعات بيانات عربية ضخمة تشمل نصوصاً تراثية وأدبية وصحفية. لا توجد حتى الآن أي دعوى قضائية أو نزاع موثق حول طبيعة هذه البيانات أو ملكيتها وهذا الغياب بالذات هو المشكلة. فغياب النزاعات لا يعني غياب المشكلة، بل يعكس غياب المسار القانوني القادر على استيعابها. فالمبدع العربي الذي يجد محتواه مُستنسخاً في مخرجات نموذج توليدي لا يملك اليوم مساراً قانونياً واضحاً للمطالبة، لا لغياب الحق بل لغياب الإجراء.

المشكلة الأعمق أن التشريعات العربية حين تنتقل إلى معالجة الذكاء الاصطناعي تميل إلى استيراد النموذج الغربي أو الأوروبي دون تكييف يُراعي خصوصية الإنتاج الثقافي العربي. الأرشيف الأدبي والتراثي العربي الرقمي مصدر ضخم لتدريب النماذج اللغوية، وهو يقع غالباً في المنطقة الرمادية بين الملك العام والملكية الخاصة وهي منطقة لم يُعالجها أي مشرّع عربي حتى الآن بشكل مباشر.

التوتر بين الحل المثالي والواقع التطبيقي

أمام هذا المشهد، تتقاطع في الساحة القانونية الدولية مقاربتان رئيسيتان تتنافسان على المشروعية. الأولى هي اشتراط الترخيص المسبق: إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالحصول على تراخيص قبل استخدام المحتوى المحمي في التدريب، كما تطالب به منظمات حقوق المؤلف في أوروبا والولايات المتحدة. والثانية هي نظام الإتاوات التلقائية: توليد عائدات من تشغيل النماذج وتوزيعها على أصحاب المحتوى بناءً على نسب المساهمة، وهو منطق قريب من إدارة الحقوق الجماعية الموسيقية. كلتا المقاربتين تفترضان شفافية تقنية كاملة حول بيانات التدريب، وهي شفافية تتحاشاها الشركات بحجة السرية التجارية وفي السياق العربي تزداد صعوبةً بغياب البنية التحتية لإدارة التراخيص الجماعية أصلاً.

المسار الثالث، وهو الأقرب للتطبيق الفعلي، يُجسّده التوجه الأوروبي الضمني في توجيه حقوق المؤلف في السوق الرقمية الموحدة: تحديث مفهوم الاستخدام العادل ليستوعب صراحةً التدريب على البيانات بشروط محددة، مع فرض قيود واضحة على مخرجات تُعيد إنتاج المحتوى المحمي بشكل ملحوظ. لكنه يترك كثيراً للاجتهاد القضائي، ويُعيد المشكلة إلى نقطة البداية: قضاة يواجهون تقنية لم يتخيّلها المشرّعون.

ما يجمع هذه المقاربات أنها تفترض وجود حقوق واضحة لمحتوى واضح المصدر. الواقع أن كميات ضخمة من بيانات التدريب مصدرها محتوى مجهول المؤلف أو منسوب بشكل غير دقيق أو مُستخلص من منصات خاصة. قانون حقوق المؤلف يحمي انتهاكاً معروفاً ضد صاحب معروف؛ لكن حين يُمحى أثر الإسناد في طيات ملايين المستندات، يتحوّل مفهوم «السرقة» نفسه إلى مسألة إثبات لا مسألة حق.

و الواقع القانوني يشير إلى أن النماذج التوليدية لم تعد تعمل داخل إطار حقوق المؤلف، بل على حدوده. فهي لا تنتهكه بشكل تقليدي، ولا تلتزم به بشكل كامل، بل تكشف عجزه عن استيعاب نمط إنتاج لم يكن في حسبانه.

ما الذي يتغير فعلاً؟

ربما تكشف هذه اللحظة القانونية أن المشكلة الحقيقية ليست في نصوص القانون بل في فلسفته الأساسية: قانون حقوق المؤلف كما نعرفه بُني على ثنائية المؤلف والمستهلك، مع وسيط إنتاجي شفاف. الذكاء الاصطناعي التوليدي يُزيح هذه الثنائية؛ يصبح المستهلك مؤلفاً ظاهراً لمحتوى تراكمي أنتجه نموذج تغذّى على إبداع غيره. والسؤال الذي تتركه المحاكم معلقاً هو: هل نعيد بناء القانون لحماية المبدع البشري في هذا العالم الجديد، أم أننا ببساطة نُوثّق انهيار نموذج الملكية الفكرية الكلاسيكي دون أن نملك بديلاً جاهزاً؟