الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود القانونية: من يتحمل المسؤولية؟

في أبريل 2025، أعلن حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن الإمارات ستستخدم الذكاء الاصطناعي في صياغة قوانينها وتعديلها، عبر مكتب الذكاء التشريعي الذي يستهدف تسريع إصدار التشريعات بنسبة تصل إلى 70 بالمئة. الإعلان فاجأ العالم القانوني. لكن الأكثر إثارةً أن نفس التقنية كانت تُستخدم بهدوء منذ سنوات في صياغة عقود الشركات، وإعداد اتفاقيات التوريد، وتحليل بنود النزاعات التجارية، دون أن يسأل أحد السؤال الحقيقي: إن أخطأت الخوارزمية في صياغة بند ما، فمن يتحمل التبعة القانونية؟

هذا ليس سؤالاً أكاديمياً. هو سؤال يطرحه محامو الشركات يومياً في مكاتبهم في الرياض ودبي والقاهرة.

الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود: أين وصلت التقنية فعلاً؟

الصورة الشائعة أن الذكاء الاصطناعي يُساعد في “مراجعة” العقود. الواقع تجاوز ذلك بكثير. في عام 2026، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تتفاوض على العقود بصورة فعلية، تقترح بنوداً وتُعيد صياغة شروط وتُعدّل هياكل التسعير وتُنهي اتفاقيات بتدخل بشري محدود. منصات مثل Harvey وSpellbook وKira Systems باتت رفيقة يومية لفرق قانونية في مكاتب كبرى حول العالم، وتدخل المنطقة العربية عبر الشركات متعددة الجنسيات والمكاتب القانونية الدولية العاملة في الخليج.

لكن التقنية أسرع من الإطار. والإطار غائب تقريباً في كل دول المنطقة.

ماذا يقول القانون العربي عن صحة العقد المُنتَج بالذكاء الاصطناعي؟

قانون العقود في أغلب الأنظمة العربية يقوم على عناصر تقليدية: الإيجاب والقبول والأهلية والمحل والسبب المشروع. القانون المدني المصري الصادر عام 1948 الذي استُقيت منه معظم قوانين المنطقة يُعرّف العقد بوصفه توافقاً بين إرادتين. وهنا تبدأ المشكلة.

الإرادة مفهوم إنساني بامتياز. الخوارزمية لا تُريد شيئاً، هي تحسّن دالة رياضية. من المنظور القانوني التقليدي، الوكيل شخص أو كيان مفوَّض للتصرف نيابةً عن طرف آخر، وأنظمة الذكاء الاصطناعي ليست أشخاصاً قانونيين، بل أدوات تعمل داخل الصلاحيات التي حددها من نشرها. هذا يعني أن العقد الذي صاغه الذكاء الاصطناعي صحيح قانونياً بشرط واحد: أن يكون الطرف البشري قد فوّضه فعلاً بتلك الصياغة، وأن يكون واعياً بما وقّع عليه.

الشرط يبدو بسيطاً. التطبيق أكثر تعقيداً.

مادام العقد يستوفي عناصر الإيجاب والقبول والنية والعوض، فالعقد المُنتَج بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون ملزماً قانونياً، إذ لا يشترط القانون أن يكتب العقد إنسان، بل يشترط أن يعكس التفاهم المشترك للأطراف. لكن هذه الصياغة تفترض شيئاً خطيراً: أن الطرف البشري يعرف فعلاً ما تضمنه العقد الذي صاغته الخوارزمية.

إشكالية الرضا الحقيقي في العقد الخوارزمي

المادة السادسة من نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2021 تشترط لانعقاد العقد صدور الإيجاب والقبول بصورة تكشف عن التراضي دلالةً واضحة. القانون المدني الإماراتي في مادته 141 يذهب إلى الاتجاه ذاته. كلا النصين يجعلان الرضا شرطاً جوهرياً لا شكلياً.

فكيف يتحقق الرضا حين صاغت خوارزمية البند 17 من عقد توريد بشكل مغاير لما أراده الطرف الموقّع، وحين كان كلا الفريقين القانونيين يراجعان النص بسرعة معتمداً كل منهما على أن الآخر قرأه بدقة؟

هذا السيناريو ليس افتراضياً. تُعدّ الغموضية في اللغة المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي من أبرز المخاطر القانونية التي تُعقّد التفسير والمساءلة في العقود الخوارزمية. نماذج اللغة الكبيرة تميل إلى صياغة بنود تبدو سليمة لغوياً لكنها تحتمل تفسيرات متعددة، وحين يصل النزاع إلى القضاء تتحول الصياغة المزدوجة المعنى إلى ثغرة يستغلها كل طرف.

المشكلة لا تتوقف على جودة النموذج. هي تتعلق بغياب معيار الإفصاح عن دور الذكاء الاصطناعي في العقد في أي نظام عربي حتى اللحظة.

جدول المشهد التشريعي: من يُنظّم ومن يتأخر

الدولةالإطار التشريعي للذكاء الاصطناعيالموقف من العقود الخوارزمية
الإماراتمكتب الذكاء التشريعي 2025 + ميثاق AI 2024لا نص صريح على صحة العقود الخوارزمية
المملكة العربية السعوديةمسودة قانون AI Hub — أبريل 2025نظام المعاملات المدنية لا يتطرق لها
البحرينمسودة قانون ذكاء اصطناعي — أبريل 2024المسودة تتناول المسؤولية المدنية جزئياً
مصرإستراتيجية AI 2025-2030 + مسودة قانونالتكامل مع قانون حماية البيانات 2020
بقية دول المنطقةإستراتيجيات وطنيةغياب شبه كامل

أصدرت هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية في أبريل 2025 مسودة قانون مركز الذكاء الاصطناعي العالمي، بهدف تحويل المملكة إلى مقصد عالمي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي وجذب الاستثمارات الأجنبية. لكن مراجعة نص المسودة تكشف أن تركيزها الأساسي يقع على البنية التحتية وحوكمة البيانات، لا على صحة التصرفات القانونية التي تُنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

في البحرين، قُدِّم مشروع قانون مستقل لتنظيم الذكاء الاصطناعي في أبريل 2024، يشمل إنشاء وحدة متخصصة للذكاء الاصطناعي ومتطلبات ترخيص وأحكام للمسؤولية المدنية وعقوبات إدارية، وهو ما يجعله أكثر النماذج الخليجية اقتراباً من معالجة إشكالية المسؤولية القانونية. غير أن وضع المسودة لا يزال غير محسوم.

من يتحمل المسؤولية حين يُخطئ العقد؟

هذا هو السؤال الذي تتراجع أمامه كل الإجابات المريحة.

إذا كانت الخوارزمية تعمل داخل صلاحيات حددتها شركة ما، فإن المحاكم تُعامل تصرفاتها باعتبارها تصرفات الشركة ذاتها. لكن أحد المحاور المركزية في عقود الذكاء الاصطناعي يظل مسألة التفويض: هل كانت الخوارزمية مفوَّضة فعلاً بإبرام هذا الالتزام؟

ثلاثة أطراف يمكن أن تقع عليهم المسؤولية نظرياً: المطوّر الذي بنى النموذج، والشركة التي نشرته، والطرف البشري الذي وقّع دون قراءة كافية. في غياب نص صريح، ستجتهد المحاكم العربية في توزيع هذه المسؤولية بأدوات قانونية لم تُصمَّم لهذا الغرض.

قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يُصنّف الأنظمة المستخدمة في إعداد الوثائق القانونية ضمن فئة المخاطر المتوسطة، مما يُلزم بمتطلبات شفافية محددة وإفصاح واضح عن دور الذكاء الاصطناعي. لا يوجد تصنيف مماثل في أي منظومة تشريعية عربية.

الإمارات تمتلك مزايا فريدة للعب دور ريادي في هذا الملف، في مقدمتها حكومة ومنظومة قانونية تحتضن التقنية بشكل صريح، فضلاً عن مقاربة تنظيمية خفيفة الوطأة تُعلي من شأن التنظيم الذاتي، وتنوع في الأنظمة القضائية يوفر بيئة خصبة للابتكار القانوني. بيد أن الفرصة ستضيع إن ظلت التشريعات تلاحق الواقع بدلاً من أن تستبقه.

الفارق بين الصحة والإنفاذ

التمييز بين صحة العقد وقابليته للإنفاذ يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق. عقد صاغه الذكاء الاصطناعي قد يكون صحيحاً من حيث استيفاء الأركان الشكلية، ومع ذلك يصطدم بعقبات حين يُراد إنفاذه أمام القضاء.

المحكمة ستسأل: هل كان الطرف الموقّع يعلم أن خوارزمية صاغت هذا البند؟ وهل كان بمقدوره مراجعته بصورة حقيقية؟ وهل الغموضية الواردة فيه ناتجة عن تقصير الإنسان أم عن قصور النموذج؟ لا توجد في قوانين الإثبات العربية معايير للإجابة على هذه الأسئلة بعد، وهذا الغياب بالذات هو ما يجعل كل نزاع تجاري مدعوم بعقد خوارزمي مغامرة قانونية في المنطقة.

حتى مع وجود الذكاء الاصطناعي، لا تزال العقود المعقدة تحتاج إلى مراجعة بشرية حقيقية، لأن المساعدة القانونية البشرية ضرورية لضمان أن كل اتفاق ملزم قانونياً ومتوافق مع أهداف الطرفين وملائم فعلاً للغرض المقصود.

لكن “المراجعة البشرية” ذاتها باتت مصطلحاً هلامياً. كم من المحامين الذين يراجعون مخرجات Harvey أو GPT-4 يُعيدون كتابة بنوده بالكامل؟ وكم منهم يصحح الصياغة سطراً سطراً معتمداً على أن النموذج فهم السياق؟

الخوارزمية لا تفهم السياق. تستنتجه إحصائياً. والفارق بين الاثنين حين يصل إلى قاعة المحكمة يُقاس بملايين الريالات أو الدراهم.

الموقف الواضح

المنطقة العربية أمام خيار حقيقي لا مجازي: إما أن تبني إطاراً قانونياً يُنظّم توظيف الذكاء الاصطناعي في التعاقد ويحدد قواعد الإفصاح والمسؤولية والطعن، أو تتركه يتوسع في غياب أي ضابط وتنتظر أن تُرسي المحاكم قواعده بعد أن تتراكم النزاعات.

المشكلة أن النزاعات ستأتي قبل الأطر في كل الأحوال.

السؤال الوحيد هو كم سيكلف ذلك الانتظار.

الأسئلة الشائعة

هل العقد الذي صاغه الذكاء الاصطناعي ملزم قانونياً في الدول العربية؟

نعم، بشرط استيفاء الأركان القانونية الأساسية: الإيجاب والقبول والأهلية والمحل المشروع. القانون لا يشترط أن يكتب العقد إنسان، بل يشترط أن يعكس التراضي الحقيقي بين الطرفين. المشكلة تبدأ حين تُنتج الخوارزمية بنوداً غامضة أو مغايرة لما أراده الموقّع دون أن يدري.

من يتحمل المسؤولية القانونية إذا أخطأت الخوارزمية في صياغة بند جوهري؟

لا يوجد نص عربي صريح يُجيب على هذا السؤال حتى الآن. نظرياً ثلاثة أطراف مرشحون: مطوّر النموذج، والشركة التي نشرته، والطرف البشري الذي وقّع دون مراجعة كافية. في غياب تشريع واضح ستجتهد المحاكم بأدوات قانونية لم تُصمَّم لهذا الغرض.

هل يختلف الحكم على العقد الخوارزمي بين الإمارات والسعودية؟

كلا النظامين يفتقران إلى نص صريح يحكم العقود المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي. الإمارات أقرب نسبياً بفضل مرونة قانون الإثبات وسابقة DIFC 2023، فيما تركز مسودة قانون AI Hub السعودية الصادرة أبريل 2025 على البنية التحتية لا على صحة التصرفات القانونية.

ل المراجعة البشرية للعقد الخوارزمي كافية لتفادي النزاعات؟

المراجعة ضرورية لكنها ليست ضماناً كافياً في غياب معيار قانوني للإفصاح. السؤال الذي ستطرحه المحكمة ليس “هل راجع محامٍ العقد؟” بل “هل كان الطرف الموقّع يعلم أن خوارزمية صاغت هذا البند وفهم مضمونه فعلاً؟”

ما الخطوة العملية التي يجب أن يتخذها محامي الشركات عند التعامل مع عقد صاغه الذكاء الاصطناعي؟

ثلاثة إجراءات لا غنى عنها: الإفصاح الصريح في ديباجة العقد عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصياغة، ومراجعة البنود الجوهرية كلاً على حدة لا اكتفاءً بقراءة عامة، وإدراج بند صريح يُحدد مسؤولية كل طرف في حال ثبت خطأ في الصياغة الخوارزمية.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 108