في يوما جاء الي موكل رفض البنك منحه قرضاً — لا لأن سجله المالي سيئ، بل لأن خوارزمية قررت ذلك. لم يتخد القرار من قبل اي انسان ، ولا توجد ورقة يمكنك الطعن فيها. فقط كود برمجي صامت يحكم على مستقبل موكلك. كيف ستدافع عنه وأنت لا تفهم كيف عمل هذا الكود؟
هذا ليس سيناريو مستقبلي — هذا يحدث اليوم.
ما هي الخوارزمية وما علاقتها بوقعنا القانوني اليوم؟
الخوارزمية ببساطة هي مجموعة تعليمات تتخذ قرارات بناءً على بيانات. فكّر فيها كمادة قانونية لكن بلغة الكود — تقول “إذا توافر الشرط أ و ب، فالنتيجة هي ج” . لكن الفرق الجوهري بينها وبين المادة القانونية هي أن المادة القانونية مكتوبة بلغة يفهمها القانونيون، أما الخوارزمية فمكتوبة بلغة لا يفهمها إلا المبرمجون.
وهنا تكمن المشكلة.
أين تتداخل الخوارزميات في حياتنا القانونية؟
ان الخوارزميات لم تعد اليوم حكراً على شركات التقنية — انما هي في قلب القرارات التي يتعامل معها القانونيون يومياً ومن ابرز الامثلة على ذلك:
- قرارات البنوك والتأمين: منح القروض، تحديد أقساط التأمين، تصنيف المخاطر — كلها بات يديرها اليوم الذكاء الاصطناعي.
- القضاء التنبؤي: بعض الدول تستخدم خوارزميات لتقدير احتمال عودة المتهم للجريمة عند البت في قرارات الإفراج.
- قرارات التوظيف والفصل: شركات كبرى تستخدم الذكاء الاصطناعي لاختيار المرشحين أو إنهاء العقود مثال ماحدث في الفترة الاخيرة مع شركات كبرى مثل قوقل ومكروسوفت.
- منصات التواصل الاجتماعي: قرارات حذف المحتوى وتقييد الحسابات تتخذها خوارزميات — وهذا يمس حرية التعبير مباشرة.
لماذا يجب أن يهتم القانوني بهذا؟
لا يُطلب من القانوني أن يصبح مبرمجاً — لكن يُطلب منه أن يفهم ثلاثة أسئلة جوهرية:
أولاً: كيف تتخذ الخوارزمية قرارها؟ ما البيانات التي تعتمد عليها؟
ثانياً: من يتحكم في هذه الخوارزمية ومن يحاسبها؟
ثالثاً: كيف يمكن الطعن في قرارها قانونياً امام الجهات المختصة؟
القانوني الذي لا يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة سيجد نفسه عاجزاً أمام نوع جديد من النزاعات يتكاثر كل يوم وغير قادر على موكابت جزء مهم من التطورات القانوينة التي تجري اليوم على الساحة الدولية .
ماذا يحتاج القانوني أن يتعلم؟
لا تحتاج إلى تعلم البرمجة — لكن تحتاج إلى:
- فهم مفهوم “تحيّز الخوارزمية” وكيف تنتج قرارات مجحفة
- معرفة أساسيات حوكمة البيانات وحماية الخصوصية
- متابعة التشريعات الناشئة كقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي وما يماثله من القاونين في هذا الشأن
- القدرة على التعاون مع خبراء تقنيين عند الحاجة.
خاتمة
وفي الخاتم وجب التنويه الى ان المستقبل ليس للقانوني التقني فقط — بل للقانوني الذي يفهم أن القانون اليوم يُكتب بلغتين: للغة القانون وللغة الخورزميات.
على ان الخوارزميات لن تختفي، بل ستزداد حضوراً في كل قرار يمس حياة الناس. والقانوني الذي يفهم هذه اللغة الجديدة سيكون الأقدر على حماية موكليه — وعلى صياغة قوانين عادلة لعالم رقمي لم يكتمل بعدويسير في اتجاه مستقبل اكثر تعقيدا تحكمه تكنولوجيا وشركات التقنية
