كيف تغيّر الخوارزميات ما نقرأه ونصدّقه ونعتبره مهمًا؟

في أكتوبر 2024، خلال جلسة استماع قضائية في الولايات المتحدة، أقرّ مسؤولون في شركة ميتا بأمر لم يعد خافياً لكنه ظلّ غير معلن رسمياً: وفق شهادات المسؤولين التنفيذيين، فإن خوارزمية فيسبوك وإنستغرام تعطي الأولوية للمحتوى الذي يثير ردود فعل عاطفية مكثفة، حتى لو كان ذلك المحتوى مثيراً للجدل أو مضللاً. الاعتراف جاء باردًا، مغلفًا بمصطلحات تقنية: “نحن نستجيب لما يريده المستخدم”. لكن السؤال الحقيقي الذي لم تجب عنه الشركة هو: من قرر أن “ما يريده المستخدم” هو المحتوى الذي يجعله غاضباً أو خائفاً أو منفعلاً؟

الخوارزميات لا تعكس رغباتنا. إنها تخلقها.

من يشاهد ماذا: كيف تقرر الآلة عنك

حين تفتح تطبيق تيك توك أو يوتيوب أو فيسبوك، لا تختار ما تريد أن تشاهده. تظن أنك تختار، لكنك في الواقع تستجيب لما اختارته الخوارزمية لك مسبقاً. الخوارزمية تراقب مدة بقائك على كل فيديو، تسجل تفاعلاتك الصغيرة: توقف لثانيتين إضافيتين؟ نقرة “إعجاب” دون تعليق؟ مشاركة؟ حتى لو لم تضغط شيئاً، فإن مجرد بقائك في صفحة معينة لمدة أطول من أخرى يُعتبر إشارة موافقة.

دراسة نشرتها مجلة جامعة فلسطين التقنية في 2025 عن خوارزمية تيك توك وجدت أن الخوارزمية لا تُظهر لك محتوى متنوعاً بل تحبسك في “غرفة صدى” تعكس ما تفاعلت معه من قبل. إذا شاهدت فيديو سياسياً معيناً، سيأتيك عشرة أخرى من نفس التوجه، حتى تصبح فكرة واحدة هي الفكرة الوحيدة المرئية. هذا ليس خللاً تقنياً. هذا تصميم.

الأرقام لا تكذب. في أبريل 2025، أكدت دراسة في PubMed أن خوارزميات الفيديو القصير (TikTok وReels وShorts) مُبرمجة لرفع مستوى التفاعل إلى حد يقارب الإدمان. ليس صدفة أن المراهقين يقضون ساعات متواصلة في التمرير. المنصة تعرف بالضبط متى تعرض عليك الفيديو “المثالي” الذي يبقيك داخلها دقيقة إضافية، ثم دقيقة، ثم ساعة.

في يناير 2026، أطلقت مؤسسة Huo Family برنامجاً بحثياً بتمويل 17.6 مليون دولار لدراسة تأثير هذه الخوارزميات على دماغ المراهقين. السؤال الذي يحاول البرنامج الإجابة عليه ليس “هل الخوارزميات تؤثر؟” بل “كم من الضرر البنيوي تُحدثه في عقل لم ينضج بعد؟

كيف تُعيد الخوارزمية تعريف “المهم”

الخوارزمية لا تسألك: ما الذي تعتبره مهماً؟ بل تخبرك: هذا ما يجب أن تعتبره مهماً.

حين يظهر لك منشور في أعلى الخلاصة، فهذا ليس لأنه الأحدث أو الأكثر صلة بحياتك، بل لأن الخوارزمية حسبت أنك ستتفاعل معه. التفاعل قد يكون إعجاباً، لكنه قد يكون أيضاً غضباً، صدمة، أو حتى سخرية. المهم بالنسبة للمنصة هو أن تبقى، لا أن تستفيد.

في مارس 2026، ربطت دراسة عالمية بقيادة جامعة أكسفورد ضمن World Happiness Report بين استخدام المنصات المعتمدة على الخوارزميات (تيك توك وإنستغرام) وبين انخفاض مستويات السعادة مقارنة بالمنصات الموجهة للتواصل المباشر مثل واتساب. السبب ليس “استخدام التقنية” بل طريقة استخدامها: حين تكون الخوارزمية هي من يقرر ما تراه، فإنها لا تختار ما يجعلك سعيداً، بل ما يجعلك منخرطاً.

الانخراط يطيل الوقت، والوقت يضاعف الإعلانات، والإعلانات تحقق الأرباح. المعادلة بسيطة. الخوارزمية لا تعمل لخدمتك. إنها تعمل لخدمة المعلن.

بمرور الوقت، يحدث شيء أخطر: تبدأ في تبني أولويات الخوارزمية على أنها أولوياتك. تصبح الأخبار التي تراها كل يوم هي “الأخبار المهمة”، والقضايا التي تتكرر أمامك هي “القضايا الكبرى”، بينما كل ما لا تراه يختفي من دائرة اهتمامك تماماً. الخوارزمية لا تُغيّر رأيك فحسب، بل تُغيّر ما تعتقد أنه يستحق أن يكون لك رأي فيه.

ما لا تراه أخطر مما تراه

الخوارزمية لا تحدد فقط ما تشاهده، بل تحدد أيضاً ما لن تشاهده أبداً. خلال أحداث غزة عام 2024، رصدت دراسة منشورة في مجلة عمران 2025 ما وصفته بـ”الإبادة الرقمية”: محتوى فلسطيني يُحجب، حسابات تُعلّق، هاشتاغات تختفي من الترند. السبب المعلن؟ “انتهاك معايير المجتمع”. المعيار الحقيقي؟ خوارزمية آلية لا تفرق بين توثيق الواقع ونشر العنف.

الخوارزمية لا تتخذ موقفاً سياسياً، لكنها تنتج نتيجة سياسية. حين تقرر آلة أن فيديو يوثق قصفاً “محتوى حساس يجب إخفاؤه”، بينما تسمح بمحتوى آخر يبرر القصف بوصفه دفاعاً مشروعاً، فإن الآلة لم تعد محايدة.

الأدهى من ذلك: أن المستخدم لا يعرف أصلاً أن المحتوى قد حُجب. فلا تصلك رسالة تقول “تم حذف 300 منشور فلسطيني من خلاصتك اليوم”. تبدو الخلاصة عادية، كاملة، متنوعة. لكنها ليست كذلك. إنها حقيقة مُفلترة.

هنا يتحول الأمر من مجرد تحكم في الانتباه إلى تحكم في الواقع نفسه.

كيف تُغيّر الخوارزمية ما نصدّقه

الخوارزمية لا تكتفي بتحديد ما تراه، بل تشكّل كيف تفهمه.

حين ترى الفكرة نفسها عشر مرات في أشكال مختلفة، تبدأ في قبولها حتى لو كانت خاطئة. هذا ما يسميه الباحثون “تأثير التعرض المتكرر” (Mere Exposure Effect). الخوارزمية تعرف هذا جيداً. تعرض لك المحتوى من زوايا متعددة، بأصوات مختلفة، لكن كلها تخدم السردية نفسها.

تخيّل مستخدماً شاهد فيديو واحداً عن “خطر اللقاحات”. الخوارزمية لن تعرض له الرأي المضاد فوراً. بل ستعرض له عشرة فيديوهات أخرى تدعم الفكرة نفسها، لأنها تتوقع أنه سيتفاعل معها أكثر. بعد أسبوع، لا يعود هذا الشخص “شاهد فيديو مشكوكاً فيه”، بل أصبح مقتنعاً برواية كاملة.

هذا لا يحدث بالمصادفة. الخوارزمية مُصممة لتعزيز القناعة، لا لتقديم التنوع.

مقارنة: كيف تختلف الخوارزميات بين المنصات الكبرى؟

المنصةآلية الترتيب الأساسيةالهدف المعلنالهدف الفعليدرجة الشفافية
فيسبوكالتفاعل العاطفي + الوقت المستغرق“عرض ما يهمك”إطالة الجلسة وزيادة الإعلاناتمنخفضة، شفافية جزئية تحت الضغط القانوني
تيك توكمدة المشاهدة + التفاعلات الدقيقة“اكتشاف محتوى جديد”الإدمان السلوكي عبر التكرار السريعمنخفضة جداً، أضافت “لماذا أرى هذا” في 2025
يوتيوبمدة المشاهدة + نسبة الإكمال“توصيات ذكية”زيادة ساعات المشاهدة الإجماليةمتوسطة، توفر بعض التحكم في التوصيات
إنستغرامالتفاعل + الوقت + العلاقات“التواصل مع الأصدقاء”تحويل المنصة إلى سوق إعلاني مستمرمنخفضة، تتبع سياسة ميتا
تويتر/Xالتفاعل الفوري + الجدل“النقاش العام”تضخيم المحتوى المثير للانقساممتوسطة بعد التغييرات في 2024

الجدول يكشف نمطاً واضحاً: كل المنصات تدّعي خدمة المستخدم، لكنها تخدم المعلن. الخوارزمية ليست أداة محايدة، بل نموذج عمل.

العالم العربي: سوق بلا قانون

في العالم العربي، الأمر أسوأ. وصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة مطلع 2025 إلى 228 مليون مستخدم نشط، يمثلون 46% من إجمالي السكان. مصر تتصدر بـ42 مليون مستخدم، تليها الجزائر بـ28 مليون، ثم العراق بـ25 مليون. السعودية والإمارات سجلتا أعلى نسب انتشار في العالم: عدد الحسابات النشطة يتجاوز عدد السكان بنسبة تصل إلى 111% في السعودية.

لكن هذا العدد الهائل من المستخدمين يخضع لخوارزميات لا ينظمها أي قانون عربي واضح. لا يوجد قانون يشبه قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA) الذي دخل حيز التنفيذ الكامل في 17 فبراير 2024 ويفرض على المنصات الكبرى شرح معايير خوارزميات التوصية وتوفير خيار للمستخدم لإيقاف التوصيات المخصصة.

بعض الدول العربية تبنّت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لكنها تركز على “السيادة الرقمية” بمعناها الأمني والرقابي، لا بمعنى حماية المستخدم من تلاعب الشركات. ليس لدينا قانون واحد يُلزم فيسبوك أو تيك توك بالإفصاح عن معايير الخوارزمية التي تقرر ما يراه 228 مليون عربي.

في ديسمبر 2025، فرضت المفوضية الأوروبية غرامة بقيمة 120 مليون يورو على منصة X بسبب ممارسات تصميم خادعة وفشل في توفير شفافية حول كيفية عمل خوارزميات الإعلانات. في العالم العربي؟ لا غرامات، لا شفافية، لا حتى مطالبة رسمية.

الشفافية المزيفة: حين تكشف الشركة ما تريد، لا ما تخفي

تيك توك، تحت ضغط القوانين الأوروبية، بدأت في 2025 بإضافة ميزة “لماذا أرى هذا الفيديو؟” بشكل أكثر تفصيلاً. الميزة تعرض لك بعض العوامل التي أثرت في إظهار المحتوى، لكنها لا تعرض لك كل شيء. لا تخبرك كيف تُرجَّح العوامل ضد بعضها، ولا كيف تتغير الأولويات بناءً على أهداف المنصة التجارية.

هذا اعتراف ضمني: الخوارزمية ليست محايدة، وإلا لما احتاج المستخدم إلى تفسير. لكن الشركة تفعل ذلك لسبب واضح: لأن الاعتراف الكامل يعني الخضوع لرقابة حقيقية، والشركة تفضل وهم الشفافية على فقدان السيطرة.

المشكلة أن الشفافية الجزئية لا تحل المشكلة، بل تخلق وهم السيطرة. تشعر أنك تعرف لماذا شاهدت الفيديو، لكنك في الواقع تعرف فقط ما قررت الشركة أن تخبرك به.

في أوروبا، بدأت المفوضية في 2025 عمليات تدقيق دورية على خوارزميات تيك توك وميتا لتقييم “المخاطر النظامية” على الصحة العقلية والعمليات الديمقراطية. هذه ليست رقابة، بل محاسبة. لكن في العالم العربي، لا يوجد من يسأل الشركات: لماذا؟ وكيف؟ ولمن؟

هل نستطيع مقاومة الخوارزمية؟

السؤال الأصعب ليس ما إذا كانت الخوارزمية تتلاعب بنا. هذا ثابت. السؤال هو: هل يمكننا أن نختار ألا نخضع لها؟

الجواب التقني: نعم، يمكن. بعض المنصات بدأت تقدم خيار “الخلاصة الزمنية” بدلاً من الخلاصة المُرتبة خوارزمياً. يمكنك إيقاف التوصيات المخصصة على بعض التطبيقات. لكن هذا الخيار مخفي، معقد، وغير مُشجع.

الجواب الواقعي: لا، لا نستطيع. لأن الخوارزمية صارت البنية التحتية للمعلومات. لا تستطيع الوصول إلى الأخبار، الثقافة، حتى التواصل مع أصدقائك، دون المرور عبر خوارزمية تقرر ما يظهر لك أولاً وما لن يظهر أبداً.

في العالم العربي، حيث لا توجد بدائل محلية قوية، الخيار أضيق. إما أن تستخدم فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وتقبل أن تعيش داخل فقاعة، أو أن تعزل نفسك تماماً عن المجال العام الرقمي.

ما الذي يجب أن يحدث؟

أولاً، يجب أن ندرك أن الخوارزمية ليست قدراً. إنها برمجة بشرية، تخدم مصالح تجارية، وتخضع لقرارات سياسية.

التشريع الأوروبي أثبت أن الضغط القانوني يُجبر الشركات على تغيير سلوكها. في العالم العربي، نحتاج إلى:

  1. قانون موحد يُلزم المنصات بالشفافية الخوارزمية: ليس مجرد بنود عامة في استراتيجيات وطنية، بل قانون تنفيذي يفرض غرامات على من يخفي معايير التوصية.
  2. هيئة رقابية مستقلة تدقق في الخوارزميات وتقيّم أثرها على المجتمع، لا على الأمن فقط.
  3. تعليم رقمي حقيقي: المستخدم العربي يجب أن يعرف كيف تعمل الخوارزمية، ليس لكي يتقبلها، بل لكي يقاومها بوعي.
  4. بدائل محلية: منصات عربية لا تعتمد على نموذج الإعلانات المُوجّه، بل على نموذج يحترم استقلالية المستخدم.

الخوارزمية لا تعكس الواقع، بل تصنعه

ما نقرأه، ما نصدّقه، ما نعتبره مهماً، لم يعد يتحدد بناءً على اختياراتنا الحرة. الخوارزمية تتدخل في كل مرحلة من مراحل تشكّل القناعة: تختار ما تراه، تكرره حتى تقبله، تحجب ما يناقضه، وتجعلك تعتقد أن هذا كله كان قرارك.

نحن لا نقرأ ما نريد. نقرأ ما تريد الخوارزمية أن نقرأه. ولا نصدّق بناءً على الدليل، بل بناءً على التكرار. ولا نعتبر شيئاً مهماً لأنه مهم فعلاً، بل لأن الخوارزمية قررت أن تعرضه لنا مئة مرة.

والأخطر: أننا لا نعرف الفرق.

أسئلة شائعة حول الخوارزميات وتأثيرها

هل الخوارزمية تعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي؟

ليس بالضبط. الخوارزمية لا “تعرفك” بالمعنى الإنساني، لكنها تسجل أنماط سلوكك بدقة تفوق وعيك بها. تعرف متى تتوقف عن التمرير، ما الذي يجعلك تنقر، وما الذي يبقيك منخرطاً. هذا لا يعني أنها تفهم دوافعك العميقة، لكنها تعرف كيف تستغلها.

هل يمكنني إيقاف الخوارزمية تماماً؟

تقنياً، بعض المنصات تتيح خيار “الخلاصة الزمنية” التي تعرض المحتوى حسب تاريخ النشر لا حسب التوصيات. لكن هذا الخيار عادة مخفي ويتطلب تفعيلاً يدوياً متكرراً. المنصات لا تريدك أن تستخدمه، لأنه يقلل من وقت بقائك داخل التطبيق.

لماذا لا تُجبر الحكومات الشركات على الشفافية؟

في أوروبا، بدأت الحكومات فعلاً بإجبار الشركات عبر قانون الخدمات الرقمية DSA. في العالم العربي، لا توجد ضغوط قانونية حقيقية. بعض الدول تركز على الرقابة الأمنية، لا على حماية المستخدم من التلاعب التجاري. الشركات لا تتحرك إلا تحت ضغط قانوني أو تهديد مالي.

ما الفرق بين “خوارزمية التوصية” و”خوارزمية الترتيب”؟

الفرق تقني لكنه حاسم. خوارزمية الترتيب تقرر ما يظهر لك أولاً من بين المحتوى الذي تتابعه بالفعل (مثل فيسبوك). خوارزمية التوصية تقترح عليك محتوى جديداً لم تطلبه (مثل تيك توك ويوتيوب). الثانية أخطر، لأنها تبني اهتماماتك من الصفر بناءً على تفاعلاتك الأولية.

هل الخوارزمية مسؤولة عن انتشار المعلومات المضللة؟

ليست مسؤولة مباشرة، لكنها مُسرّع قوي. الخوارزمية لا تميز بين المحتوى الصحيح والمضلل، بل تميز بين ما يُبقيك منخرطاً وما لا يفعل. والمحتوى المضلل عادة أكثر إثارة وأسرع انتشاراً. الخوارزمية لا تنشر الكذب، لكنها تضخمه.

لماذا لا تبني الدول العربية منصات بديلة؟

السؤال الأصح: لماذا لم تنجح المحاولات السابقة؟ بناء منصة تقنياً ليس صعباً. بناء منصة يستخدمها الناس فعلاً هو التحدي. المنصات الناجحة تحتاج إلى نموذج عمل مستدام، وحماية قانونية، وثقافة تقنية، وبيئة تشريعية تشجع الابتكار. كل هذا غائب تقريباً في المنطقة العربية.

فريق محتوى 0.4
فريق محتوى 0.4

باحث قانوني مهتم بالتشريعات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومؤسس منصة 0.4 mohtawa. يعمل على تحليل التقاطع بين القانون والتقنية لتعزيز السيادة الرقمية في العالم العربي

المقالات: 103